لماذا تلوّح إسرائيل اليوم بإسقاط اتفاق الترسيم البحري؟

لماذا تلوّح إسرائيل اليوم بإسقاط اتفاق الترسيم البحري؟
لماذا تلوّح إسرائيل اليوم بإسقاط اتفاق الترسيم البحري؟

كتب عماد الشدياق في “نداء الوطن”:

أعلن وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين، يوم الأحد، أن إسرائيل تدرس إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان الموقعة في العام 2022، لأنها لم تكن اتفاقية حقيقية، بل كانت “وثيقة استسلام”. موضحًا أنه بموجب الاتفاقية حصل لبنان على كامل المنطقة المتنازع عليها مقابل “تعهّد غامض” بتحسين أمن إسرائيل، وهو تعهّد لم يتمّ الالتزام به على الإطلاق.

لم يعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل محصّنًا كما بدا في خريف العام 2022. فالاتفاق الذي قُدِّم يومها بوصفه “تسوية تقنية” قد تفتح الباب أمام لبنان لاستكشاف الغاز، وتخفف احتمالات التصعيد، عاد اليوم إلى دائرة التهديد الإسرائيلي المباشر. ليس بسبب خلاف جديد على “الإحداثيات”، وإنما لأن الحرب مع “حزب اللّه” غيّرت البيئة السياسية والأمنية التي سمحت أصلًا بولادته.

ما تقوله إسرائيل بلسان وزير الطاقة إيلي كوهين، هو أنها ما عادت تنظر إلى الاتفاق كـ “وثيقة حدودية” منفصلة عن موازين القوة، بل كـ “ترتيب” يمكن إعادة النظر فيه، إذا رأت أن نتائجه لم تعد تخدم مصالحها الأمنية والسياسية.

– الثغرة الأولى، التي تكشف هشاشة الاتفاق هي أن النص ليس اتفاقًا أمنيًا مثلما تدّعي إسرائيل. فجوهره يدور حول أربعة عناصر، وهي: تثبيت خط الترسيم البحري، الإبقاء على الوضع القائم قرب الشاطئ من دون المساس بالنزاع البري، تنظيم استكشاف واستغلال المكمن العابر للخط في البلوك 9، وأخيرًا إحالة أيّ خلافات في التفسير والتطبيق إلى مناقشات تسهّلها الولايات المتحدة بوصفها الوسيط للاتفاقية.

وبذلك، يظهر جليًا أن الاتفاقية تخلو من أيّ التزام لبناني صريح بنزع سلاح “حزب اللّه”، وكذلك من أي تعهّد أمني مباشر بحماية إسرائيل مثلما تدّعي، ولا حتى آلية تنفيذ قسرية في حال تدهور الوضع العسكري على البرّ. لذلك، فحين يتحدّث كوهين عن أن إسرائيل أخذت “تعهّدا أمنيًا غامضًا” ولم ينفذه لبنان يكون كمن يتكلم بلغة سياسية أكثر منها قانونية، لأن هذا “التعهّد” المزعوم لا يظهر كبند محدّد واضح في نص الاتفاقية… وهنا تظهر الثغرة الأساسية: الاتفاق قام على فصل المسار البحري عن الصراع الأشمل، بينما الحرب الحالية تبدو أنها تعيد وصل كلّ المسارات ببعضها.

النص يقول بوضوح إن الترسيم البحري لا يمسّ بوضع الحدود البرية، وإن المنطقة الأقرب إلى الساحل تبقى على حالها، بما في ذلك خط العوامات الحالي، إلى أن يُعالَج الملف البري في وقت لاحق. وبالتالي، فإن هذا الترتيب كان عمليًا في لحظة تفاوضية أرادت فيها الأطراف انتزاع إنجاز محدود من نزاع أوسع.

– الثغرة الثانية، تتعلّق بآلية التنفيذ نفسها. الخلافات وفق الاتفاقية، تُعالج عبر نقاشات تسهّلها الولايات المتحدة. وهذا يعني أن الاتفاقية لا تتضمّن تحكيمًا ملزمًا، ولا محكمة مختصة، ولا لجنة مشتركة دائمة ذات صلاحيات تنفيذية مستقلّة. وإذا كانت واشنطن هي الضامن العملي لهذا الترتيب، فإن أيّ تراجع في قدرتها أو “مزاجها” على فرض التهدئة أو رعاية التفاهم، يجعل الاتفاقية أكثر عرضة للابتزاز والتسييس.

وبذلك، قد لا تحتاج إسرائيل إلى “إلغاء قانوني” كامل حتى تشلّ الاتفاقية، بل يكفيها أن تعتبر أن الظروف الأمنية نسفت الأساس السياسي الذي مهّد للاتفاقية، وأن تستخدم فائض القوة العسكرية والغطاء الأميركي للضغط على لبنان أو على الشركات المشغلة.

– الثغرة الثالثة، تكمن في الترتيب الاقتصادي الخاص بحقل قانا. الاتفاق ينصّ على أن إسرائيل تتفاوض منفصلة مع مشغّل “البلوك 9” لتحديد  حقوقها الاقتصادية في أي مكمن محتمل عابر للخط، وأن اتفاقًا ماليًَا يجب أن يُبرم قبل اتخاذ قرار الاستثمار النهائي، على أن لبنان ليس طرفًا في هذا الترتيب بين إسرائيل والمشغّل. هذه الصياغة جنّبت لبنان الاعتراف المباشر بإسرائيل، لكنها خَلَقَت في المقابل نقطة تعقيد دائمة: جزء من تنفيذ الاتفاق العملي معلّق على علاقة بين إسرائيل والشركة المشغلة، لا بين إسرائيل ولبنان. وبالتالي، فإذا قرّرت تل أبيب التشدّد، فتستطيع استخدام هذا الباب لتعطيل التطوير أو إعادة التفاوض أو رفع السقف السياسي تحت عنوان “الحقوق الاقتصادية” و “الظروف الأمنية”.

– الثغرة الرابعة، تتعلّق بولادة الاتفاق على فرضية وجود حافز اقتصادي متبادل. إسرائيل حصلت على حقل كاريش ومضت سريعًا في الإنتاج، فيما لم يحقق لبنان حتى الآن اختراقًا موازيًا في حقل قانا… وهذا الفرق مهمّ جدًا. إسرائيل تجني فعليًا من كاريش، بينما لبنان لم يتحوّل بعد إلى منتج أو حتى إلى صاحب اكتشاف تجاري مؤكد في قانا. لذلك قد ترى تل أبيب أن كلفة التهديد بالانسحاب اليوم أقلّ ممّا كانت عليه عند التوقيع، لأن الجزء اللبناني من “وعد الغاز” لم يتحوّل بعد إلى واقع يخلق مصالح دولية ضخمة كي تدافع عنه أو تستمرّ به.

من هنا، يمكن فهم لماذا قد تلوّح إسرائيل بالانسحاب، أو على الأقلّ بإعادة فتح الملف، ويُستنتج أين مكامن الخطر في تلك التصريحات الإسرائيلية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق قطر تتصدى لهجمة صاروخية
التالى ترامب: أكثر ما يهمني هو وقف إيران