كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
تتقاطع معطيات دبلوماسية عند نقطة مفصلية في قراءة مسار التهدئة الإقليمية، مفادها بأن الإشارة التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول “شخصية مهمة جدّا” نصحته بقبول وقف إطلاق النار مع إيران لمدة أسبوعين، كانت مقصودة في دلالاتها، وهي تعكس، بحسب هذه الأوساط، دورًا مباشرًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الدفع نحو خيار التهدئة المؤقتة كمدخل لإعادة ترتيب مسارات التفاوض، وهذا التوصيف يضع موسكو في موقع الشريك الفعلي في هندسة المرحلة الانتقالية بين التصعيد والعودة إلى الطاولة، بما يتجاوز حدود التنسيق التقليدي إلى مستوى التأثير في القرار الأميركي نفسه.
وتشير الأوساط إلى أن هذا التطور لم يأتِ بمعزل عن سياق أوسع من إعادة تموضع القوى الكبرى في ملفات الشرق الأوسط، حيث نجحت روسيا، مدعومة بحضور الصين، في فرض نفسها كطرف لا يمكن تجاوزه في معادلة الوساطة والحلول، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتوازنة مع أطراف النزاع، ومن قدرتها على تقديم صيغ تسوية مرنة لا تصطدم مباشرة بالمصالح الأميركية، بل تتقاطع معها عند نقاط كثيرة واستراتيجية. وبهذا المعنى، لم يعد المشهد محكومًا بثنائية الهيمنة الغربية، بل بات أقرب إلى تعددية مدروسة تُدار فيها الأزمات عبر توازنات دقيقة بين القوى الكبرى.
في المقابل، لا تُبدي واشنطن، وفق القراءة الدبلوماسية، أي اعتراض جوهري على هذا الحضور الروسي – الصيني، بل تنظر إليه من زاوية براغماتية تخدم حساباتها الاستراتيجية. فالرئيس دونالد ترامب، الذي يولي أهمية قصوى للنتائج الاقتصادية والمالية، يرى في إشراك موسكو وبكين في طاولة التفاوض فرصة لتوسيع قاعدة الشركاء في تحمل أعباء التسويات، وبالتالي تعظيم العائد السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة. فبدلاً من الانخراط الأحادي المكلف، يتيح هذا النموذج توزيع الأدوار والكلفة، مع الاحتفاظ بقدرة التأثير في مخرجات العملية التفاوضية.
وفي هذا الإطار، تبرز دلالة خاصة للموقف الأميركي من الانخراط الروسي في ملفات إقليمية حساسة، من بينها الملف اللبناني. إذ تؤكد الأوساط أن واشنطن لا تمانع دخول روسيا على خط التسوية في لبنان، سواء في ما يتعلق بجهود التوصل الى وقف لإطلاق النار أو في الدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، انطلاقا من إدراكها لخبرة موسكو الطويلة في إدارة مسارات السلام، ولا سيما من خلال دورها في اللجنة الرباعية المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام. هذه الخبرة تمنحها أدوات تفاوضية قادرة على مقاربة التعقيدات اللبنانية – الإسرائيلية من زوايا متعددة، تجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد.
ولا تقف المسألة عند حدود القبول الأميركي، بل تتعداها إلى نوع من التقاطع الضمني في المصالح، حيث يشكل الانفتاح على موسكو جزءًا من مقاربة أوسع لإدارة الأزمات عبر تعدد الوسطاء، بما يخفف الضغط المباشر عن واشنطن، ويمنحها هامش مناورة أوسع في ملفات أخرى. كما أن العلاقة الشخصية التي توصف بالودية بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين تسهم في تليين المواقف، وتحدّ من احتمالات التصادم المباشر، حتى في القضايا التي تشهد تباينات حادة في الرؤية.
وتستدل الأوساط على ذلك من التعاطي الأميركي الهادئ مع الفيتو الروسي – الصيني في مجلس الأمن حول مشروع القرار المتصل بمضيق هرمز، حيث لم يُقابل هذا الموقف بتصعيد سياسي، بل اعتُبر، في قراءة غير معلنة، عاملاً فتح الباب أمام نقل النقاش إلى طاولة المفاوضات في إسلام آباد، بصيغة تقوم على مبدأ “رابح – رابح”. هذا النموذج، الذي يخفف من منطق الغلبة لصالح منطق التسويات المتوازنة، يشكل مؤشرًا إلى التحول في إدارة الأزمات الدولية، من المواجهة إلى التفاوض متعدد الأطراف.
انطلاقا من هذه المعطيات، ترى الأوساط الدبلوماسية أن أمام لبنان فرصة لالتقاط هذا التحول والبناء عليه، عبر مبادرة السلطة إلى توسيع دائرة اتصالاتها الدولية، ولا سيما مع روسيا، بهدف تنويع مصادر الدعم السياسي والدبلوماسي. فلبنان، الذي يقف عند تقاطع خطير بين ملفات إقليمية معقدة، لا يمكنه الاكتفاء برهان أحادي، بل يحتاج إلى شبكة أمان دولية متعددة الأقطاب، تتيح له تحسين شروط التفاوض وتعزيز موقعه في أي تسوية مقبلة.
وترى هذه القراءة أن الانفتاح على موسكو لن يثير حفيظة واشنطن، بل قد يندرج ضمن سياق التكامل غير المعلن بين الأدوار، خاصة في ظل قناعة أميركية متنامية بأن إدارة الأزمات الكبرى باتت تتطلب شراكات أوسع. وعليه، فإن توسيع مروحة الدعم الدولي للبنان لا يُعد خروجًا عن الخط الأميركي، بل استثمارًا في هامش الحركة الذي تتيحه التحولات الراهنة في النظام الدولي.
لذلك؛ تبدو المرحلة الحالية محكومة بمنطق إعادة توزيع الأدوار بين القوى الكبرى، حيث لم يعد ممكنًا لأي طرف أن يحتكر مسار التسويات. وبينما نجحت موسكو وبكين في تثبيت موقعهما على طاولة القرار، تواصل واشنطن إدارة هذا التوازن بما يخدم مصالحها. وفي قلب هذا المشهد، يبرز لبنان أمام فرصة مهمة لإعادة تموضعه، شرط أن يحسن قراءة التحولات، وأن يبادر إلى توظيفها في اتجاه تحقيق معادلة “الرابح – الرابح” التي باتت عنوانًا للمرحلة، بحيث يكون ولو لمرة وحيدة رابحًا في تثبيت حقوقه وفرض سيادته على كامل التراب الوطني ويقفل الى غير رجعة كارثة لبنان الساحة”.




