كتبت ناديا غصوب في “نداء الوطن”:
في خضم التصعيد السياسي والعسكري في المنطقة، برزت فرضية راهنت عليها إسرائيل وبعض دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، مفادها أن الضغط العسكري المكثف على إيران قد يكون كافيًا لإشعال انتفاضة داخلية تُسقط النظام الحاكم. غير أن الوقائع الميدانية سرعان ما أثبتت أن هذا الرهان لم يكن في مكانه.
استندت هذه الرؤية إلى تقدير مفاده أن الشعب الإيراني، الذي عبّر مرارًا عن استيائه من الأوضاع الاقتصادية والسياسية، قد يستغل أي لحظة ضعف تصيب النظام لينقلب عليه. وفي هذا السياق، جاءت الضربات التي استهدفت مواقع حساسة وشخصيات بارزة في محاولة لخلق “فراغ” يُفترض أن تملأه موجة احتجاجات شعبية واسعة.
لكن ما حدث جاء معاكسًا تمامًا لهذه التوقعات.
فعلى الرغم من شدة الضربات، لم تشهد إيران حراكًا شعبيًا واسعًا أو منظمًا. بل على العكس، بدا أن النظام تمكن من الحفاظ على تماسكه، بل وتعزيز قبضته الأمنية. ويعزو محللون ذلك إلى مجموعة عوامل متداخلة، في مقدمتها طبيعة البنية الأمنية الصارمة، التي تجعل كلفة النزول إلى الشارع مرتفعة للغاية.
في المقابل، تعاني قوى المعارضة من تشتت واضح وغياب قيادة موحدة قادرة على تقديم بديل فعلي، ما يضعف فرص تحويل السخط الشعبي إلى حركة تغيير منظمة ومؤثرة. ولا يمكن إغفال العامل القومي، إذ إن شريحة واسعة من الإيرانيين — بمن فيهم منتقدو النظام — تتردد في التحرك في ظل ضغوط أو هجمات خارجية، خشية أن يُفسَّر ذلك على أنه اصطفاف مع خصوم البلاد.
كما أن هذا الرهان لم يكن منفصلًا عن حسابات سياسية أوسع. فقد تبنّى دونالد ترامب تقديرًا مفاده أن استهداف القيادات الإيرانية قد يؤدي إلى إرباك النظام وربما تسريع انهياره، وهو تقدير لم يأخذ بالكامل في الحسبان طبيعة بنية النظام الإيراني وقدرته على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج قياداته بسرعة. وفي الوقت نفسه، تلتقي هذه المقاربة جزئيًا مع حسابات بنيامين نتنياهو، الذي يرى في توسيع دائرة المواجهة فرصة لتحقيق مكاسب استراتيجية، إضافة إلى اعتبارات داخلية، حيث يمنحه استمرار الحرب هامشًا سياسيًا أوسع لتأجيل الضغوط المرتبطة بملفاته القضائية، أو على الأقل إعادة ترتيب أولوياته بعيدًا عن مسار المحاكمة.
ومن جهة أخرى، تشير تقديرات إلى أن التعويل على انتفاضة داخلية لم يستند إلى خطة عملية واضحة بقدر ما كان رهانًا مبنيًا على قراءة متفائلة. فالتجارب التاريخية تُظهر أن التغيير السياسي العميق نادرًا ما يكون نتيجة ضغط خارجي فقط، من دون وجود حراك داخلي منظم ومستدام.
في هذا السياق، يمكن فهم سلوك ترامب على أنه يتجاوز البعد العسكري البحت، ليتمحور حول إنتاج “صورة انتصار” قابلة للتسويق سياسيًا. فالرجل لا يتعامل مع الصراع بمنطق الحسم التقليدي، بل بمنطق إدارة الانطباع: كيف يمكن إخضاع إيران أو إضعافها بما يكفي لفرض سردية تفوق، حتى وإن لم يتحقق تغيير جذري على الأرض.
ضمن هذه المعادلة، يتحرك ترامب على حافة توازن دقيق: تصعيد محسوب يمنع ظهوره بمظهر المتراجع، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تستنزف الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا. فبالنسبة إليه، لا تكمن الخطورة في عدم تحقيق نصر كامل، بل في تكريس صورة الهزيمة، وهو ما يدفعه إلى البحث عن أي مخرج يمكن إعادة تعريفه كإنجاز، خصوصًا في ظل حساسية الرأي العام الأمريكي تجاه الحروب الطويلة.
بذلك، تتحول الحرب من صراع على تغيير موازين القوى إلى سباق على صياغة الرواية: من ينجح في إقناع جمهوره بأنه انتصر، حتى لو بقيت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا.
في المحصلة، لم يتحقق هدف “تفجير الداخل” كمسار سريع لإنهاء الصراع، بل كشفت التطورات أن المشهد الإيراني أكثر تعقيدًا، وأن أي تغيير محتمل سيبقى رهين عوامل داخلية عميقة لا يمكن فرضها من الخارج. وعليه، فإن الرهان على إسقاط الأنظمة عبر الضغط العسكري وحده، من دون بنية داخلية داعمة، يبقى رهانًا عالي المخاطر، وغالبًا ما يصطدم بواقع سياسي واجتماعي أكثر تعقيدًا.



