كتبت وفاء بيضون في اللواء:
بين مدّ وجزر المفاوضات الإيرانية – الأميركية، على وقع المناوشات بين البلدين، يتشكل أحد مسارات المرحلة المقبلة في ظل بروز قوى إقليمية باتت تشكل أحد عناصر الضغط الخارجي. وإذا كانت التسويات الكبرى تجرف معها، بثقلها السياسي مصالح الدول الصديقة والعدوة على حد سواء، فمن هنا يمكن فهم التموضع اللبناني بأبعاده الخارجية عمومًا والداخلية خصوصًا.
فالمشهد اللبناني لم يعد يُقرأ من داخل حدوده الجغرافية والديمغرافية، ولا تكفي التطورات المحلية وحدها لفهم مسار الأحداث أو قراءة أهدافها. وهذا ما تستند إليه عملية استشراف المرحلة، بحيث بات كل موقف سياسي يصدر عن القوى السياسية النافذة، أو عن الدولة بمؤسساتها الرسمية، وحتى عن الدول المؤثرة في المشهد اللبناني، يعكس تقاطعًا متشابكًا من التحولات التي تتجاوز لبنان إلى الإقليم برمته.
تقول مصادر مطلعة: “إنه في ظل المتغيرات المتسارعة التي أفرزتها الحرب الأخيرة، يبدو واضحًا أن لبنان دخل مرحلة مستجدة، لا تقوم على إعادة إنتاج التوازنات السابقة فحسب، بل على محاولات إعادة تعريف لبنان من الداخل”.
وهنا، لم تعد المواقف المتأثرة بتداعيات الحرب على المستوى السياسي مجرد ركيزة للتعبئة التي تندفع القوى السياسية من خلالها لاستمالة الشارع بتشعباته المختلفة، سياسيًا ومذهبيًا، أو لتثبيت المواقف التقليدية، بل تحولت إلى رسائل ذات دلالات واضحة؛ فهي، بقدر ما تخاطب الداخل تستهدف عواصم القرار في الإقليم والعالم.
ومن هنا، يتضح أن مواقف السياسيين بمختلف قواهم واتجاهاتهم، يمكن أن تحمل أكثر من دلالة تتجاوز أهدافها المعلنة وغير المعلنة، ولا تقف عند حدود المواقف الآنية مما يجري من تطورات وأحداث بل تعكس محاولة لقراءة التحولات واستشرافها، بما يشير إلى مسعى لرسم حدود النفوذ في مرحلة لا تزال مداميكها قيد التشكل.
وعليه، يصبح تحليل الخطاب السياسي مدخلًا لاستشراف التحولات الجيوسياسية وفهم اتجاهاتها. فالمرحلة الراهنة توضح أن هناك انتقالًا تدريجيًا من منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى منطق إدارة موازين القوة عبر السياسة والتفاوض.
وهنا يحضر كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحثّه الرئيس اللبناني جوزاف عون على ضرورة الحوار مع “حزب الله”، ليبقى هذا الموقف السياسي أحد العناصر الحاضرة في المعادلات الجديدة، وما قد تحمله من إعادة رسم لموازين القوى في المرحلة المقبلة.
في المقابل، لا يزال لبنان يواجه تحديًا معقدًا؛ فهو مطالب بإعادة بناء مؤسساته واستعادة دوره السيادي، في وقت تتشابك فيه الاعتبارات الداخلية مع الحسابات الخارجية. وبينما تسعى السلطة إلى ترسيخ منطق الدولة ومؤسساتها، تجد نفسها أمام واقع سياسي وأمني لا يمكن فصله عن موازين القوى الإقليمية، الأمر الذي يجعل قدرتها على اتخاذ قرارات مصيرية مرتبطة بعوامل تتجاوز إرادتها المباشرة.
وهذا ما يزيد من تعقيد المشهد وآلياته المركبة، خصوصًا إذا أضيفت إلى تحدياته التحولات التي تشهدها سوريا؛ إذ إن التطورات في المشهد السوري لم تعد مسألة سورية محضة، بقدر ما أصبحت حاضرة ومؤثرة في حسابات جميع القوى المنخرطة في الملف اللبناني.
وفي المحصلة، تبقى المسارات الدولية، بما تسفر عنه من نتائج، سواء في اتجاه التصعيد أو التهدئة مؤثرة في واقع الحراك الداخلي اللبناني من دون أن يعني ذلك استمرار المراوحة القلقة إلى ما لا نهاية.
ولا سيما أن الوجود الإسرائيلي سيواصل، وفق هذه القراءة، مشروعه الأمني في المنطقة، مستفيدًا من الغطاء الأميركي، ومن غياب ضابطة دولية قادرة على تقييد حركته متى رأى أن التصعيد يخدم مصالحه.
ويبقى السؤال الأوسع: هل يستطيع لبنان، في خضم هذه التحولات والتسويات الإقليمية، أن يستعيد موقعه في المعادلة الإقليمية، أم سيظل مجرد ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين وحساباتهم؟




