موقع دعم الإخباري

كيف صنعت الحروب عقيدة الضاحية؟

كتبت زيزي اسطفان في “نداء الوطن”:

تهديدات تطال الضاحية الجنوبية وحركة نزوح كبيرة تشهدها المنطقة تترافق مع حالة ذعر بين السكان، مشهد يعيد إلى الواجهة المخاوف من تطبيق استراتيجية عسكرية إسرائيلية تُعرف باسم “عقيدة الضاحية”. فماذا نعرف عن هذه العقيدة القتالية التي تبنّتها إسرائيل منذ العام 2006، وماذا يعني تطبيقها؟ وفي المقابل ماذا تعني هذه العبارة لأبناء الضاحية الجنوبية بعد أن باتت المنطقة شبه جزيرة معزولة عن محيطها الجغرافي والاجتماعي، خاضعة لنفوذ “حزب الله” السياسي والأمني والاجتماعي؟

بين المفهومين الإسرائيلي والـ “ضحياوي الحزب اللهي” تقف الضاحية وسط تناقض حاد يهدد مصيرها ومستقبل أبنائها. فبين خطاب الشيخ نعيم قاسم التصعيدي ومسيراته التي تهدد أمن شمال إسرائيل ووصفه “الحزب” بأنه “كربلائي لا يستسلم”، وبين الاستنفار الإسرائيلي لتوجيه ضربة قوية إلى “حزب الله” و”سحقه”، والتهديد بتوسيع العمليات العسكرية لتشمل مباني في بيروت، تعود الضاحية من جديد لتجد نفسها في عين العاصفة وتعيش هاجس الخوف والنزوح والدمار. فهل تحميها عقيدتها أم تكون المتسببة بدمارها؟

استراتيجية مدمرة

في حرب 2006، انتهجت إسرائيل طريقة جديدة في مواجهة “حزب الله”، حيث شنّت ضربات شديدة التدمير على ما اعتبرته حينذاك معقل “الحزب” في الضاحية الجنوبية، وأكد الجيش الإسرائيلي حينها أن “استخدام قوة غير متناسبة هو جزء من استراتيجية الردع الإسرائيلية”. وشهدت أحياء الضاحية في حرب 2006 دمارًا غير مسبوق جعل البعض يشبهها بمدينة ستالينغراد إبّان الحرب العالمية الثانية. وعلى إثر ذلك نشأت استراتيجية عسكرية صارمة عُرفت باسم “عقيدة الضاحية” أو نهج الضاحية، وقد تعزز هذا المفهوم في العام 2008 في حرب غزة، حين أعاد آيزنكوت، قائد الأركان في الجيش الإسرائيلي حينها، التشديد عليه، شارحًا أن إسرائيل ستتعامل مع أي منطقة تنطلق منها اعتداءات بالقوة التدميرية القصوى لتحقيق الردع. وبناء على ذلك، قد يتم تدمير قرى بأكملها بشكل متعمّد إذا اعتبر الجيش الإسرائيلي أنها مصدر لأي عمليات عسكرية ضدها.

تحولت “عقيدة الضاحية” في ما بعد إلى إحدى ركائز العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي، كما تشرح التقارير العسكرية التي تصف هذه الاستراتيجية بأنها تقوم على استخدام قوة نارية مفرطة وغير متكافئة تتجاوز بكثير حجم الهجوم الذي يواجهها من الجهة المقابلة، مع استخدام قصف جوي مكثّف لتحقيق تفوق عسكري سريع من دون تعريض الجنود الإسرائيليين لخطر مباشر. كما تقوم هذه الاستراتيجية، من جهة ثانية، على استهداف القرى والأحياء التي تشكل البيئة الحاضنة للقوة المسلحة التي تواجهها، مع تدمير للبنى التحتية فيها والمباني السكنية والمنشآت الحيوية مثل الجسور ومحطات الكهرباء والماء وسنترالات الهواتف وأعمدة الاتصالات، وذلك لعزل هذه البيئة والضغط عليها وحثها على الوقوف بوجه القوى المسلحة التي تعمل وسطها. وتصف إسرائيل هذه الاستراتيجية بأنها وسيلة ردع “مشروعة” تساهم في منع خطر نشوب هجمات عليها في المستقبل من قبل الجماعات المسلحة، سواء في غزة أو لبنان.

وقد شهد لبنان في جنوبه وبقاعه وضاحيته، في حربي إسناد غزة وثأرًا لمقتل الخامنئي، تطبيقًا عمليًا لما بات يُعرف بـ “عقيدة الضاحية”، وشهد تداعيات هذه القوة النارية المفرطة، كما شهد جنوبه بشكل خاص، بعد وقف إطلاق النار، استمرارًا لهذه الاستراتيجية بأقوى تجلياتها، حيث دُمّرت قرى بأكملها، ولا يزال الرد يتوسع، ويتم يوميًا إخلاء قرى جديدة وقصفها ردًا على مسيرات “حزب الله” واستهدافًا لمخابئها. كذلك استخدمت إسرائيل استراتيجية “عقيدة الضاحية” في حربها في غزة، حيث كان حجم التدمير يفوق بمراحل القوة العسكرية لحماس. واليوم يعود التهديد باستخدام هذه الاستراتيجية في الضاحية الجنوبية وسط تجاذب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل. فهل تدفع الضاحية مرة جديدة ثمن العقيدة التي ابتُكرت باسمها، وتكون ضحية رد غير متكافئ بين مسيرات “الحزب” في الجنوب والقصف الإسرائيلي التدميري؟

الله ونصرالله والضاحية كلها…

في مقابل هذه العقيدة العسكرية الإسرائيلية المنشأ، ثمة عقيدة أخرى يتم الحديث عنها قد يُعبَّر عنها بالاسم نفسه، لكنها مناقضة تمامًا للأولى، عقيدة اجتماعية حزبية طائفية، شيعية المنشأ والانتماء، وتحمل اسم “عقيدة الضاحية”… أما شعارها فكان ولا يزال: “الله، نصرالله والضاحية كلها”، في محاولة لتثبيت نظرية أن الضاحية بأكملها تتبع “حزب الله” وتشكل موئلا له وتخضع لسيطرته، كأنها غيتو مقفل يصعب الدخول إليه أو الخروج منه.

في علم الاجتماع، ووفق ما يشرح أحد المختصين في علم الاجتماع السياسي، يشكل مصطلح “عقيدة الضاحية” توصيفًا سياسيًا واجتماعيًا للمنظومة العقائدية والسياسية التي تشكلت في الضاحية الجنوبية بوصفها الحاضنة الأساسية لـ “حزب الله” منذ الثمانينيات. وتحت تأثير الصعود السياسي للطائفة الشيعية والعسكري لـ “حزب الله”، تحولت الضاحية إلى هوية جماعية ورمز للصمود، وبيئة نشأت فيها شبكات تضامن اجتماعي وطائفي وحزبي قوية بعد عقود من التهميش. ومع الوقت، ومع صعود نجم حسن نصرالله، باتت الضاحية تقدس فكرة البيئة الحاضنة وانتشت بمفهوم القوة والسلاح، وباتت تميل إلى المزيد من الانغلاق على نفسها اجتماعيًا ونفسيًا، وإلى الارتياب من بقية القوى اللبنانية، وحتى من الدولة التي تعتبرها ضعيفة وغير قادرة على حمايتها. وساهمت الحروب في تعزيز هذه المشاعر، وتحولت الهوية الجماعية للضاحية إلى وسيلة للحماية والصمود بوجه الاستهداف الخارجي والداخلي.

شبكة مصالح تعيق المعارضة

هذا التحليل الاجتماعي الأكاديمي لما يُعرف بـ “عقيدة الضاحية الاجتماعية” وما يسودها من تضامن طائفي، يراه المعارضون لـ “حزب الله” من الطائفة الشيعية بعين مختلفة. في حديث لـ “نداء الوطن”، يقول المعارض الشيعي والصحافي علي الأمين إن “حزب الله” حاول أن يفرض نفسه كمعبر عن الطائفة الشيعية بأكملها، وأن يوحي بأن ما يقوم به هو تعبير عن موقف شيعي، وأي استهداف له هو استهداف للطائفة الشيعية. من هنا نشأ التباس ساهم “الحزب” في تنميته عن قصد، وهو أن الأهالي يقومون عفويًا بتجمعات وتحركات تواكب توجهات “الحزب” للإيحاء بأنه يمثل توجهات المجتمع، في حين أن هذه المجموعات لا تتحرك عفويًا، بل ضمن المنظومة الحزبية. فمن بين أكثر من مليون شيعي، يمكن القول إن للحزب منهم 300 أو 400 ألف يتبعون له عن قناعة أو وظيفيًا، إذ إن نحو 100000 منهم يتقاضون رواتب من “الحزب” وملتزمون بنظام المؤسسة السياسية أو العسكرية التي منها يعتاشون. في الضاحية الجنوبية، يتجلى هذا الأمر بشكل واضح، فقد بات نظام الحياة فيها مقفلا يسيطر فيه “الحزب” على كل المرافق المدنية والحياتية، وعلى شبكة متداخلة من المصالح، أصبح معها المرجعية الأولى والأخيرة. فهو موجود في المخفر والمحكمة والمستشفى والمؤسسات الأمنية والاجتماعية والمدارس، بحيث إن أي معارض له يتوجب عليه إما الخروج من الضاحية أو التأقلم مع هذا الوضع، وإلا تعطلت كل مصالحه. لا شك في أن ثمة ثقافة وأيديولوجيا ومفاهيم جديدة فرضها “الحزب” على أهل الضاحية، وقد نمت مع الوقت وترسخت، وكان لها تأثير على بيئة معينة. لكن يبقى الثابت الأكيد أنه لا يمكن العيش في الضاحية إذا كان موقف الشخص ضد “حزب الله”.

ليس المجتمع هو الذي يرفض الخروج من عباءة “حزب الله”، يؤكد الأمين، بل إن نظام المصالح الراسخ لا يتقبل أي توجه ضد “الحزب”، فأي موقف معارض سياسيًا أو اجتماعيًا أو دينيًا قد يكلف صاحبه كثيرًا، ويؤثر على مسار حياته ومصالحه، ويعرضه للتهديد، والأمثلة على القمع كثيرة سواء على أرض الواقع أو في الفضاء الافتراضي. وللأسف، المعارضون لـ “حزب الله” لا يجدون حاضنة خارج هذا المحيط، لا من قبل الدولة أو أجهزتها، ولا من قبل أي أحزاب أو فئات أخرى. وفي حين يكبر نفوذ “حزب الله”، يجد المعارضون له أنفسهم بلا سند أو ملجأ يحتمون به ويمنع عنهم الاعتداء. وبالتالي يحاذر الناس العاديون المغامرة والقيام بخطوات تؤثر على مصالحهم، إلا بالطبع من كان منهم قادرًا على الخروج من الضاحية.

“الحزب” يعيد إنتاج نفسه

اليوم، ما تعيشه الضاحية بات يحمل نسبة كبيرة من التناقض، بحسب ما يقوله الأمين. فقبل الحرب كانت نسبة المقتنعين بـ”حزب الله” أكبر، إذ كانوا مأخوذين بسردية أن نصرالله سوف يحرر القدس ويدخل إلى الجليل، وأن إسرائيل خائفة من “الحزب”، وقد ترسخت هذه الأفكار بفعل تكرار السردية والخطب الرنانة، لكن اليوم، وبعد الحربين الأخيرتين، تزعزعت هذه القناعات بعد أن ظهرت عبثيتها، وإن كان الناس لا يزالون في حالة إنكار وغير مصدقين لما حل بهم، حيث إن الدمار فاق التوقع وإعادة الإعمار غير مضمونة…

لكن “حزب الله” لم يستسلم داخليًا ولا يزال يحاول إبقاء البيئة تحت السيطرة، حيث يقوم بإجراء الاتصالات بأصحاب البيوت المدمرة والطلب إليهم تقديم طلبات لتقييم الأضرار للحصول على تعويضات في ما بعد، وكأنه يعطيهم أملا زائفًا بإعادة الإعمار. كما يوحي بأن إيران قد خصصت عشرة مليارات دولار مما ستحصل عليه من حساباتها المجمدة للبنان، وبدأ يعد كل عائلة بالحصول على مئتي دولار، ما جعل الناس يخشون إبداء أي معارضة خوفًا من ضياع التعويضات المأمولة.

ينهي علي الأمين حديثه بالقول إن أهل الضاحية، كما أهل الجنوب كلهم، يشعرون بالنكبة التي ألمّت بهم، لكن تبقى المشكلة الأكبر أن المعارضين ومن يفكرون بالمعارضة والتفلت من سطوة “الحزب” لا يجدون لهم أي حاضنة أخرى، ولا أي نموذج آخر مغاير يمكن استثماره في السياسة، لا من قبل الدولة التي لم تكن مقنعة، ولا من قبل الفئات الأخرى. من هنا، وفي غياب البديل، يبقى “الحزب” قادرًا على إعادة إنتاج نفسه في الضاحية والجنوب…

أخبار متعلقة :