جيوب السلطة ومفاتيح النظام

جيوب السلطة ومفاتيح النظام
جيوب السلطة ومفاتيح النظام

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

“الكفن ليس له جيوب”. عبارة متجذّرة في الموروث الإسلامي الشعبي، تختزن دلالات وعظية تذكّر الإنسان بأن المال والثروة والنفوذ لا ترافقه إلى قبره. لكن السلطة، بخلاف الكفن، تمتلك جيوبًا من طبيعة مختلفة، مفصّلة بعناية داخل بنية المؤسسات لتضمن استمرار تأثير أصحابها بعد الخروج من جنة السلطة، والإمساك بمفاتيح النظام السياسي عبر التعيينات.

الإشكالية الأساسية تكمن في غياب فلسفة سياسية واضحة تؤطّر التعيينات، فمع كل دفعة تستيقظ أعراف وتقاليد متوارثة لتفرض نفسها لاعبًا أساسيًا في تحديد الأسماء والمسارات، ويعود النقاش ليدور حول ما يريده هذا المرجع، أو ذاك الفريق السياسي. المسألة ليست ما تريده المقامات الدستورية، بل في المعايير الحاكمة لهذه الإرادة، حيث تبيّن الوقائع المتراكمة أن رئيسي الجمهورية والحكومة يتعاملان مع التعيينات من منطلق البحث عن موظفي دولة قادرين على تنفيذ قرارات السلطة السياسية، ولا يبحثان عن صناعة نفوذ، وليس لديهما “فيتو” على أحد.

ومن نوائب الدهر أن يتعرض هذا المعيار للتنكيل وكأنه “سبّة”، بما أفسح المجال أمام نشوء فجوة راحت بعض القوى تعمل على ملئها، من خلال استغلال “جيوب” لا تزال فاعلة مؤسساتيًا، تبرع في تلغيم قوائم الأسماء المقترحة، فتسقط أسماء وتعلي أخرى. وبالنتيجة نكون أمام إعادة تدوير لمراكز القوى القديمة تطيح ببوادر أي ثقة ناشئة.

خلال التعيينات الماضية، ظهرت خروقات مؤذية في مواقع دون المستوى الأول. فيما راهنًا جرت محاولات أكثر فجاجة لإعادة إنتاج النفوذ، والسيطرة على قطاع حمّال أوجه ويدر مليارات الدولارات. قبل أن تنفجر بعض المفاجآت التي مكّنت الرئيس نواف سلام من تجميد مسارات معينة غداة التزوّد بمعطيات غُيّبت عمدًا من قبل “جيب” كبير ووازن يؤدي أدوارًا كارثية لحساب مراكز قوى خارج السلطة. ويسجّل لرئيس الحكومة نجاحه في مجابهة ضغوط حادة دينية وسياسية واجتماعية.

غير أن ذلك لا يلغي ضرورة صياغة ضوابط صارمة لحزم التعيينات المقبلة. فالمشكلة ليست في الأسماء بحد ذاتها بقدر ارتباطاتها بشبكات نفوذ لجهات نجحت في العقود الماضية في تسويق نفسها كمعبر إلزامي نحو المواقع الوظيفية، ما منحها قدرة استثنائية على الإمساك بمفاتيح النظام وتطويعها لخدمة مصالحها. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن مفاتيح النظام هي التي تحدد هوية النظام السياسي نفسه. فالوزير يرحل، والنائب يخسر، والحكومة تتبدل، بينما هذه المفاتيح هي من تسيّر عجلة الإدارة أو تعطّلها، وتشكل مجتمعة تلك الآلة التنفيذية الضخمة المسماة دولة في الوعي الجمعي لتماسها المباشر مع الناس.

ولعل التجربة التركية تقدم المثال الأوضح، حيث واجه حزب “العدالة والتنمية” مراكز قوى متجذرة داخل مؤسسات الدولة، لكنه نجح في تفكيكها عبر استراتيجيات منهجية كفلت له الإمساك بمفاتيح النظام. أما في لبنان، فثمة قوى عديدة متفاوتة الأحجام تجد نفسها اليوم متضررة من التحولات الجارية.

في مقدمتها “حزب الله”، الذي لم يكن يبالي بمدير أو قائد جهاز حينما كان مهيمنًا على القرار الاستراتيجي. لكن شعوره بـ “أزمة الموت” على وقع الضربة الساحقة التي تلقاها جعله ينكبّ على صياغة تفاهمات ليكون شريكًا مساهمًا في تنصيب موظفين قادرين على حماية نفوذه وشرعنة تدفقاته المالية. والأمر نفسه ينسحب على “تيار المستقبل”، الذي لا يزال يحتفظ بـ “جيوب” سلطوية مؤثرة تمنحه القدرة على تعويم نفسه عبر إدخال مفاتيح نظام جديدة.

التعيينات هي معركة على هوية الدولة نفسها، واستمرار التعاطي بنهج متراخ يقرّب صنّاع القرار من مصير مشابه لمصير الأسطورة الإيطالية روبرتو باجيو حينما أطاح ركلة الجزاء الشهيرة: “مات واقفًا”. ثمة أهمية لقصّ “الجيوب” وتحرير مفاتيح النظام من سطوة مراكز القوى “القديمة”.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق محادثات البنتاغون تختبر قدرة لبنان على تعزيز سيادته
التالى سباق بين التفاوض والتصعيد… والحصار يشتد على “الحزب”