كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:
تواجه الصناعة اللبنانية مرحلة دقيقة تتشابك فيها الضغوط التشغيلية مع التحديات اللوجستية والتجارية، في وقت ترتفع فيه كلفة الإنتاج وتتراجع فيه القدرة التنافسية، وسط بيئة اقتصادية لا تزال تفتقر إلى مقومات الاستقرار. ومع استمرار تقلب أسعار الطاقة واضطراب حركة الشحن وتباطؤ الطلب في بعض الأسواق، تتقلص هوامش عمل المؤسسات الصناعية وتزداد كلفة المحافظة على الإنتاج.
يجد القطاع الصناعي نفسه أمام اختبار مزدوج يتمثل في احتواء ارتفاع النفقات التشغيلية من جهة، والحفاظ على حضوره في الأسواق المحلية والخارجية من جهة أخرى. وبينما تلجأ المؤسسات إلى إجراءات مختلفة للتكيف مع الضغوط، تبقى تحديات الطاقة والتصدير والطلب الداخلي أبرز العوامل التي ترسم ملامح المرحلة الحالية.
يصف أمين عام العلاقات الخارجية في جمعية الصناعيين اللبنانيين، منير البساط، الواقع الصناعي في لبنان بأنه “غير مريح حاليًا”، معتبرًا أن “القطاع يرزح تحت وطأة سلسلة من التحديات المتراكمة التي تُثقل كاهل المؤسسات الصناعية وتحدّ من قدرتها على المنافسة والاستمرار”.
“قائمة الضغوط والتحديات”
يؤكد البساط لـ “نداء الوطن”، أن “أزمة المحروقات تتصدر قائمة الضغوط التي تواجه الصناعة اللبنانية”، موضحًا أن “استخدام المازوت لا يقتصر على توليد الكهرباء، بل يشكل عنصرًا إنتاجيًا أساسيًا في عدد من الصناعات، ولا سيما الصناعات الغذائية وإعادة التدوير، حيث يُستخدم لتوليد البخار، ما يجعل أي ارتفاع في أسعاره ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج”.
ويشير إلى أن القطاع الصناعي يتلقى “ضربتين” في هذا الملف، الأولى ناجمة عن الارتفاع العالمي في أسعار المحروقات بفعل الأزمات الإقليمية والدولية، والثانية تتمثل في آلية التسعير المحلية التي يصفها بـ “غير المفهومة”، لافتًا إلى أن “الدول المجاورة لا تعتمد المنهجية نفسها في تسعير المازوت، الأمر الذي يُفقد الصناعة اللبنانية جزءًا مهمًا من قدرتها التنافسية في الأسواق”.
ويلفت إلى أن “الحركة الاقتصادية التي رافقت موسم الصيف أسهمت في تنشيط السوق المحلية بشكل محدود، إلا أن هذا الانتعاش لم ينسحب على مختلف القطاعات الصناعية، بل اقتصر بصورة أساسية على الصناعات الغذائية التي استفادت من النشاط الذي شهدته المطاعم، فيما بقيت غالبية القطاعات الأخرى ترزح تحت وطأة الركود”.
في ملف التصدير، يكشف البساط أن “الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة البحرية تسببت في إرباك عمليات الشحن ورفع كلفتها بصورة كبيرة”، موضحًا أن “البضائع التي كانت تصل إلى سلطنة عُمان خلال فترة تتراوح بين 25 يومًا وشهر، وإلى دبي خلال 13 إلى 15 يومًا، باتت تحتاج اليوم إلى ما بين 50 و60 يومًا للوصول، فضلا عن تراجع الطلب في أسواق الخليج نتيجة الظروف الراهنة”.
ويشدد على أن “تضافر هذه العوامل ينعكس سلبًا على القطاع الصناعي، ويقوّض قدرة المؤسسات على الاستمرار والمحافظة على نشاطها الإنتاجي”.
وعن كيفية تعاطي المؤسسات الصناعية مع الأزمات خلال المرحلة الماضية، يوضح البساط أن “كل مؤسسة اعتمدت الإجراءات التي تتناسب مع واقعها، فمنها من لجأت إلى تقليص عدد العاملين، ومنها من منحت موظفيها إجازات سنوية، فيما اعتمدت مؤسسات أخرى نظام العمل اليومي أو خفضت ساعات الدوام للحد من الخسائر”.
“اليد العاملة”
في ما يتعلق بانعكاس الأزمة على اليد العاملة، يلفت إلى أن “الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بصفته المرجع الرسمي، لم يسجل أي حالات صرف جماعية، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الأرقام المتداولة لا يستند إلى بيانات رسمية، مع احتمال أن يكون المتضررون من العمال غير اللبنانيين”.
ويستدرك البساط بالإشارة إلى أن “تراجع فرص العمل يبقى أمرًا واقعًا، ولا سيما في المؤسسات الصناعية الواقعة في الجنوب، حيث خرج عدد من المصانع من الخدمة بشكل نهائي، فيما فقدت مؤسسات أخرى أسواقها أو زبائنها نتيجة تداعيات الأزمة، كما تأثر العديد من العاملين بالنزوح”. ويختم بالتأكيد أن “الانكماش الاقتصادي، الذي تُقدَّر نسبته بما بين 20 و30 في المئة، لا بد أن ينعكس تلقائيًا على سوق العمل ومستويات التوظيف”.
تعكس التحديات التي يواجهها القطاع الصناعي حجم الضغوط التي باتت تحاصر دورة الإنتاج، بدءًا من كلفة الطاقة مرورًا بالنقل والتصدير وصولا إلى تباطؤ الطلب. وفي غياب معالجات تخفف أعباء التشغيل وتعزز القدرة التنافسية، ستبقى المؤسسات الصناعية مضطرة إلى اعتماد حلول مؤقتة لإدارة الأزمة، فيما يظل الحفاظ على الإنتاج وفرص العمل التحدي الأبرز أمام أحد أهم القطاعات المولدة للنمو والصادرات في الاقتصاد اللبناني.




