لبنان يمتلك فرصة لإعادة طرح مشروع خط كركوك – طرابلس

لبنان يمتلك فرصة لإعادة طرح مشروع خط كركوك – طرابلس
لبنان يمتلك فرصة لإعادة طرح مشروع خط كركوك – طرابلس

كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:

في عالم الطاقة، لم تعد قيمة خطوط الأنابيب تُقاس فقط بكميات النفط التي تنقلها، بل بما توفره من مرونة اقتصادية وأمن استراتيجي للدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء. مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاطر التي تهدد الممرات البحرية، أصبحت الدول تسعى إلى تنويع مسارات تصدير النفط والغاز باعتبارها جزءًا من استراتيجياتها لتعزيز أمن الإمدادات وخفض كلفة المخاطر، ما أعاد مشاريع النقل البرية إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي.

أعاد الاتفاق العراقي – السوري لإحياء التعاون في مجال نقل النفط عبر إعادة تأهيل خط حديثة – بانياس النقاش حول مستقبل خطوط الأنابيب في المشرق العربي، وفي مقدمتها خط كركوك – طرابلس، الذي يرى خبراء أنه قد يشكل فرصة للبنان لاستعادة جزء من دوره التاريخي في منظومة الطاقة الإقليمية، إذا ما توافرت الظروف السياسية والاستثمارية الملائمة.

الاتفاق العراقي – السوري

في هذا السياق، ترى الخبيرة القانونية المتخصصة في شؤون الطاقة، المحامية كرستينا أبي حيدر، أن “هذا التطور لا يقتصر على تعزيز التعاون العراقي – السوري، بل يفتح الباب أيضًا أمام إعادة إحياء مشاريع إقليمية توقفت منذ عقود، وفي مقدمتها خط كركوك – طرابلس، بما قد يعيد للبنان دورًا اقتصاديًا واستراتيجيًا افتقده على مدى سنوات طويلة”.

وتلفت إلى أن “أسواق الطاقة العالمية لم تعد تقيس أهمية الدول بحجم احتياطاتها أو إنتاجها النفطي فحسب، بل باتت تمنح أولوية متزايدة لأمن طرق النقل، ولا سيما في ظل تصاعد المخاطر التي تهدد الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تصدير النفط في العالم”.

وتوضح أبي حيدر لـ “نداء الوطن”، أن “العراق يُحاول منذ سنوات أن يعتمد على سياسة تقوم على تنويع خياراته التصديرية، وأن إعادة تشغيل خط حديثة – بانياس تندرج ضمن هذه الاستراتيجية”، مشددة على أن هذا “المسار لا ينبغي النظر إليه كبديل عن أي خط آخر، بل كجزء من شبكة متكاملة من منافذ التصدير تمنح بغداد مرونة أكبر في إدارة صادراتها وتعزز أمن الطاقة الإقليمي”.

مكاسب اقتصادية للبنان

انطلاقًا من هذه المتغيرات، تؤكد أبي حيدر أن “لبنان يمتلك فرصة حقيقية لإعادة طرح مشروع خط كركوك – طرابلس”. وتوضح أن “المشروع ليس جديدًا، بل يُعد أحد أقدم خطوط نقل النفط في الشرق الأوسط، إذ أُنشئ في ثلاثينيات القرن الماضي لربط حقول كركوك العراقية بمنشآت النفط في مدينة طرابلس اللبنانية، قبل أن يتوقف نتيجة التطورات السياسية والأمنية التي شهدتها المنطقة”.

وتشير إلى أن “الخط كان يتمتع بقدرة كبيرة على نقل النفط، فيما شكّلت منشآت طرابلس النفطية ومرافئها جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للطاقة في شرق المتوسط، ما منح لبنان آنذاك موقعًا محوريًا في تجارة النفط الإقليمية”.

وترى أبي حيدر أن “إعادة تشغيل الخط اليوم يُمكن أن تحقق للبنان مكاسب اقتصادية مباشرة، تتمثل في تحصيل رسوم عبور النفط، وإعادة تشغيل منشآت النفط في طرابلس، والاستفادة من خدمات التخزين والصيانة والخدمات البحرية، فضلا عن جذب استثمارات جديدة إلى قطاع الطاقة والبنية التحتية، وتعزيز مكانة مرفأ طرابلس كمركز لوجستي ونفطي على البحر المتوسط”.

ولا تقتصر هذه المكاسب، بحسب أبي حيدر، على “الإيرادات المالية، بل تمتد إلى خلق فرص عمل للمهندسين والفنيين والعمال وشركات الخدمات والنقل، إضافة إلى تنشيط القطاعات التعليمية والمهنية المرتبطة بالطاقة والهندسة والخدمات البحرية، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي”.

وتعتبر أن “مدينة طرابلس ستكون من أبرز المستفيدين من إعادة إحياء المشروع، إذ يمكن أن تستعيد دورها التاريخي كبوابة نفطية وتجارية للبنان، وأن تتحول مجددًا إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالطاقة، الأمر الذي من شأنه دعم التنمية الاقتصادية في شمال لبنان”.

في المقابل، فإن تعدد منافذ تصدير النفط يصب أيضًا في مصلحة العراق، لأنه يحد من المخاطر الناجمة عن الاعتماد على مسار واحد، ويوفر لبغداد مرونة أكبر في مواجهة الأزمات الإقليمية أو أي اضطرابات قد تؤثر في حركة التجارة والطاقة.

تحرك إستباقي

تختم أبي حيدر بالتأكيد على أن “المرحلة الحالية تستدعي تحركًا لبنانيًا استباقيًا لفتح حوار مع العراق والدول المعنية، بهدف إعادة إدراج خط كركوك – طرابلس ضمن المشاريع الاستراتيجية في المنطقة”، مشددة على أن “الهدف لا يتمثل في منافسة أي مشروع آخر، بل في تكامل مسارات تصدير النفط بما يخدم مصالح جميع الأطراف”.

وترى أن “الاتفاق العراقي – السوري ينبغي أن يشكل نقطة انطلاق للبنان لإعادة طرح هذا المشروع، في وقت يتجه فيه العالم إلى تعزيز أمن الطاقة عبر تنويع الممرات الاستراتيجية، ما يجعل من إعادة إحياء خط كركوك – طرابلس فرصة اقتصادية قد تسهم في استعادة لبنان جزءًا من دوره التاريخي ضمن منظومة الطاقة الإقليمية”.

يبقى المؤكد أن التحوّلات التي يشهدها قطاع الطاقة تعيد رسم أولويات الدول في ما يتعلق بمسارات تصدير النفط، ما يضع مشروع خط كركوك – طرابلس أمام فرصة جديدة. غير أن نجاحه سيظل مرهونًا بتوافقات سياسية واستثمارات كبيرة تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية وحدها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق قمّة البيت الأبيض: صفحة بيضاء و”شيك” ليس على بياض
التالى هبة دولية للجيش لتعزيز القطاع الطبي