كتب انطوان الاسمر في “اللواء”:
يكتسب كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن لبنان ورفض حزب الله المقترح المطروح لوقف إطلاق النار دلالات سياسية، خصوصاً أنّه لم يكتفِ بنفي فكرة القطيعة أو الانسداد، بل حرص على الإيحاء بأنّ قنوات التواصل لا تزال قائمة، قائلاً إنّ «هم اتصلوا بنا»، قبل أن يضيف عبارة أكثر أهمية: «أعتقد أنّكم سترون أموراً تحدث هناك». تحمل هذه الصياغة، على بساطتها، في خلفيتها مؤشرات إلى أنّ الملف اللبناني عاد ليُدرج ضمن أولويات التفاوض الإقليمي والدولي، ولو بصورة غير معلنة بالكامل حتى الآن.
اللافت في الموقف الرئاسي الأميركي أنّه جاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل المفاوضات الأمنية مع الحسابات السياسية، وتتقاطع فيها الاعتبارات اللبنانية الداخلية مع التوازنات الإقليمية الأوسع. لذلك، لا يُقرأ الحديث عن «أمور ستحدث» بوصفه مجرد تفاؤل ديبلوماسي، بل كإشارة إلى وجود حراك فعلي يجري بعيداً عن الأضواء، سواء عبر وسطاء مباشرين أو عبر قنوات خلفية تُستخدم عادة في المراحل التمهيدية لأي تفاهم كبير.
حاولت واشنطن، منذ اندلاع المواجهة على الحدود الجنوبية، إدارة الأزمة بمنطق منع الانفجار الشامل، لا بمنطق الحسم الكامل. فهي تدرك أنّ أي مواجهة واسعة مع حزب الله ستعني عملياً فتح جبهة إقليمية يصعب ضبطها، كما أنّ إسرائيل نفسها، رغم خطابها التصعيدي، تعرف أنّ كلفة الحرب المفتوحة على لبنان ستكون باهظة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. من هنا، بدا أنّ واشنطن ركّزت في الأشهر الفائتة على هندسة تسوية تدريجية تقوم على تخفيض مستوى الاشتباك، وإعادة إنتاج نوع من قواعد الردع المتبادل، بدلاً من الذهاب نحو مغامرة غير مضمونة النتائج.
في هذا السياق، تأتي إشارة ترامب إلى لبنان بوصفه «بلداً يستحق السلام» ويحيا منذ سنوات «في وضع غير مؤاتٍ»، لتكشف محاولة واضحة لإعادة تقديم المقاربة الأميركية بلباس أقل صدامية. تعكس اللغة المستخدمة سعياً إلى إظهار الولايات المتحدة طرفاً مهتماً باستقرار لبنان، لا فقط بأمن إسرائيل. هذا التحول في النبرة ليس تفصيلاً، لأنّ واشنطن تدرك أنّ أي تسوية قابلة للحياة تحتاج إلى حدّ أدنى من القبول اللبناني الداخلي، ولا يمكن فرضها فقط عبر الضغوط العسكرية أو السياسية.
لكن في المقابل، لا يبدو أنّ حزب الله يتعامل مع الاقتراحات من زاوية تقنية أو أمنية فحسب، بل من زاوية أوسع مرتبطة بموقعه الإقليمي ودوره داخل معادلة «محور المقاومة». لذلك، لا يعني بالضرورة رفضه لبعض البنود أو تحفّظه على أجزاء من الاتفاق المقترح إغلاق الباب نهائياً، بل قد يكون جزءاً من عملية تفاوض غير مباشرة تهدف إلى تحسين الشروط أو تعديل بعض الضمانات المرتبطة بالميدان والانتشار وآليات التنفيذ.
من هنا يمكن فهم مغزى كلام ترامب عندما تحدّث عن استمرار التواصل. فالإدارة الأميركية تعرف أنّ أي اتفاق في لبنان لا يمكن أن يمرّ من دون أخذ موقف الحزب في الاعتبار، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. تالياً، يعني مجرد الإشارة إلى وجود اتصالات أنّ واشنطن لا تزال تراهن على إمكان الوصول إلى صيغة وسطية، حتى لو استغرق الأمر وقتاً أطول أو احتاج إلى ترتيبات إقليمية موازية.
الأهم من ذلك أنّ التطورات الأخيرة توحي بأنّ الملف اللبناني لم يعد معزولاً عن مسار التفاهمات الكبرى في المنطقة. فهناك إدراك متزايد لدى القوى الدولية بأنّ استقرار الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية بات جزءاً من معادلة أوسع تشمل غزة، والملف الإيراني، وأمن البحر الأحمر، وحتى مستقبل الانتشار الأميركي في الشرق الأوسط. لذلك، قد يُستخدم أي تقدم في لبنان كنموذج أولي لترتيبات أمنية أوسع، فيما قد يؤدي الفشل إلى إعادة المنطقة بأكملها إلى مناخ التصعيد المفتوح.
داخلياً، تبدو الدولة في موقع المتلقِّي أكثر من كونها شريكاً فعلياً في صنع القرار. فالفراغ السياسي، والانقسام الداخلي، والعجز الاقتصادي، كلها عوامل جعلت الملف اللبناني يُدار إلى حدّ بعيد عبر التفاهمات الخارجية. هذا ما يفسّر كيف أنّ التصريحات الدولية باتت تُقرأ في بيروت بوصفها مؤشرات إلى مستقبل المرحلة المقبلة، أكثر مما تُقرأ كمواقف ديبلوماسية عابرة.
مع ذلك، يبقى السؤال الأساسي مرتبطاً بمدى قدرة أي تفاهم محتمل على الصمود. فالتجارب السابقة أظهرت أنّ الاتفاقات الأمنية في لبنان غالباً ما تكون مؤقتة وهشّة، لأنها تعالج النتائج لا الأسباب العميقة للصراع. تالياً، ستظلّ أي تهدئة جديدة عرضة للاهتزاز ما لم تترافق مع معالجة سياسية أشمل للتوتر الإقليمي، ومع إعادة بناء الدولة ومؤسساتها.
لكل ذلك، يكشف الكلام الأميركي أنّ الاتصالات لم تنقطع رغم التعقيدات، وأنّ باب التسوية لا يزال مفتوحاً ولو بحدّه الأدنى. كما يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأنّ استمرار استنزاف لبنان لم يعد يخدم أحداً، وأنّ المنطقة تقف أمام خيارين: إما الذهاب نحو ترتيبات أمنية جديدة تُبقي المواجهة تحت السيطرة، أو الانزلاق مجدداً إلى حرب واسعة قد تغيّر وجه الشرق الأوسط بأكمله.




