كتبت لوسي بارسخيان في “نداء الوطن”:
تحلّ ذكرى شهداء الصحافة هذا العام وسط تحدّيات متزايدة تضع المهنة أمام اختبار قاسٍ. لا تتوقف الأزمة عند حدود انتظار عبثيّ لقانون إعلام جديد، درس في اللجان النيابية لسنوات طويلة، ولكنه وضع في غرفة الإنعاش قبل أن يولد. بل تتعدّاها إلى واقعٍ مرير يستمرّ خلاله عدّاد الشهداء في الدوران، بحيث أصبح لكلّ مرحلة سياسية في لبنان شهداؤها، والقاسم المشترك بينهم جميعًا هو “سلاح الكلمة”.
عدّاد لا يتوقف
بين أحمد ناصر أول صحافي شنق مع 11 صحافيًا آخر بعهد المتصرفية في ساحة “الاتحاد ببيروت” التي عرفت لاحقًا “بساحة البرج” ومن ثم “ساحة الشهداء”، وأمال خليل، آخر شهداء “مهنة المتاعب” الذين قتلوا في ميدان تغطية الحرب الأخيرة، تطول اللائحة. وقد أحصت نقابة محرّري الصحافة في جولتي الحرب اللتين تورّط بهما “حزب اللّه” مع محوره ضد إسرائيل، 27 صحافيًا، وفقًا لما أعلنته في بيان صادر عنها مؤخرًا.
غير أن هؤلاء ليسوا وحدهم. فمن بين شهداء الصحافة من تمّت تصفيتهم بسلاح الداخل، ودفعوا حياتهم ثمن الاصطفافات، وجريمتهم الوحيدة أيضًا كانت الكلمة.
كانت حقبة الوجود السوري الأحلك، وإلى جانب من قتلوا خلالها في الميدان صفِّي البعض مباشرة بعمليات اغتيالات هزت اللبنانيين ببشاعتها، من أمثال سليم اللوزي، النقيب رياض طه الذي كرّس السادس من أيار يومًا لشهداء الصحافة، حسين مروة، وحسن حمدان.
ما بعد انسحاب جيش نظام الأسد، استمرّ كمّ الأفواه بالنار. ولهذه المرحلة بالذات أغلى شهدائها. وفي طليعتهم جبران تويني وسمير قصير ومحاولة اغتيال مي شدياق. ومع أن مقتل هؤلاء لا يزال حتى الآن من دون حساب، فإن الشبهات تكاد تكون جازمة في اتهام محور الممانعة الذي دعم نظام بشار الأسد في لبنان، لينضمّ هؤلاء إلى شهداء مرحلة الوصاية مباشرة.
تعدّدت الأساليب واغتيال الكلمة واحد
هذا التنوّع في أساليب الشهادة على مرّ العقود، رسم حدودًا متحرّكة في تعريف المهنة، وبدّل مفاهيم القمع، وهوية المعتدي على الصحافة وحريتها، خصوصًا أن الكلمة التي كانت تُواجه مباشرة بسلطة قمعية رسمية واضحة، صارت أيضًا محاصرة بشبكات نفوذ وسرديات متنازعة.
وعليه لم يعد الخطر محصورًا بحبل مشنقة أو رصاصة ومتفجرة أو حتى غارة، بل تمدّد ليشمل بيئة داخلية ضاغطة، تصرّ على إبقاء المعلومة من ضمن سرديّتها الخاصة. فتفرض على التغطية خطوطًا حمراء غير مرئية، تقيّد حركة الصحافي وروايته للأحداث، وتجعل من نقل الحقيقة فعلا محفوفًا بالمخاطر، حتى خارج ساحات المواجهة.
صحيح أن حرية الصحافة في لبنان مكرّسة بالقوانين، ولكن الصحافي ليس حرًا تمامًا كما يعتقد الكثيرون.
ومع أن لا شكل محدّدًا للقمع، إلا أن الأبرز في الحرب الأخيرة ما يشهده الميدان من تقييد للحريات في المناطق التي تسيطر عليها بيئة “حزب اللّه” تحديدًا. هناك، يُمنع تصوير نتائج الحرب أو الدخول إلى المناطق إلا بإذن مسبق من “الجهات المحلية”. ومن يتجاوز هذا “العرف” الذي فرض بالترهيب النفسي، يجد نفسه عرضة للاعتداء والمنع، كما شاهدنا مرارًا على الشاشات مباشرة.
ولكن حتى بعد نيل “الأذونات”، تظلّ السردية تحت السيطرة. فمن يخرج عن الخط المرسوم يُقصى، يُشطب من مجموعات “الواتساب” الإخبارية، ويُحرم من الجولات الميدانية التي تخضع لرقابة قوى الأمر الواقع.
صراع لا على من ينقل الخبر بل من له الحق بذلك
هذا القمع الصامت والمستتر قد يعدّ من الأخطر. لأنه يغلق بعض المناطق أمام صحافيين، ويطفئ كاميراتهم بمراكز الإيواء، ويهدّد كلّ من يحاول أن ينقل الصورة الحقيقية. إلا أن ما يوازيه خطورة هو مواجهة الكلمة الحرة بجيوش إلكترونية، قادرة على إسقاط التصنيفات على الصحافيين بناء على انتماءاتهم السياسية، بحيث يصبح لكل بيئة أعداؤها منهم. فتُنبش مواقفهم لتحديد درجة التعاون معهم. ويكون التعاطف معهم أو حتى مع شهادتهم بناء على هذه الانتماءات.
هكذا تفقد الصحافة قدرتها على الدخول إلى كل الأماكن، والوصول إلى كل المعلومات، سواء في المؤسسات الرسمية أو في المدن وأزقة الطرقات. وهكذا نعيش كصحافيين الصراع، لا على نقل الخبر، بل على من يملك حق روايته.
فالمدن والساحات باتت مشرّعة بشكل أفضل أمام “البروباغندا” الإعلامية، وتُقفل أمام الصحافي الباحث عن الحقيقة. بينما تفتقد المهنة عمليًا لسجل واضح ومعايير حاسمة لتحديد من هو الصحافي.
فـ “التصاريح” يمكن أن تُمنح لكل من يحمل هاتفًا مع كاميرا، ولكن فقط إذا كانت صورته تروق للجهة الناقلة، لا لمن يحمل المسؤولية. ومع صعود “الإنفلونسرز” وتراجع المعايير، يزداد القلق من لحظة تصبح فيها الحقيقة نفسها ضحية.
ويتحمّل المواطنون في المقابل تدفق الأخبار، في ظل واقع تختلط فيه الأدوار، ويُضخّ خطاب الكراهية المتشنّج من الميدان إلى الفضاء العام بلا ضوابط.
حاجة لإعادة تعريف المهنة
أمام هذا التردّي، تبرز الحاجة لإعادة تعريف المهنة. إذ إنه حتى الإطار التقليدي الذي كان يرعى شؤون الصحافيين بات موضع جدل. ومع توسّع الإعلام الرقمي، ودخول أدوات الذكاء الاصطناعي، وتراجع المعايير اللغوية والمهنية لدى البعض، تتسع الفجوة.
يختصر الصحافي المخضرم حبيب شلوق هذا القلق بوضوح، في تصريح لـ “نداء الوطن” كان يفترض أن ينشر بتقرير خاص، لكن ظروف الحرب حالت دون ذلك. فيقول شلوق في معرض متابعة واقع نقابة المحررين معه أننا “اليوم لم نعد نعرف من هو الصحافي ومن ليس صحافيًا. اختلطت الأمور ولم تعد هناك ضوابط”. ويذهب شلوق إلى أبعد من ذلك حين يعتبر أن “نقابة المحررين يجب أن تنظف جدولها، لأن عليها الكثيرين ممن لا علاقة لهم بالمهنة”.
هذا الطرح يصطدم برؤية مختلفة داخل النقابة، يدافع عنها نقيب المحررين جوزف القصيفي في معرض التحضير للتقرير نفسه، إذ رأى أن الانفتاح ضرورة لمواكبة تطوّر الإعلام، متحدثًا عن عمل النقابة لاستيعاب العاملين في الإعلام المرئي والمسموع والإلكتروني ضمن شروط محدّدة.
لكن حتى في هذا الإطار، تبقى الإشكالية قائمة: فهل التوسيع ينظّم المهنة أم يكرّس فوضاها؟
المخرج القانوني ON HOLD
كان يُفترض أن يكون المخرج التشريعي من خلال مشروع قانون الإعلام الذي أشبع جدلا ونقاشًا في 11 جلسة داخل لجنة الإدارة والعدل و 16 جلسة في اللجنة الفرعية. وإذ بأرنب يخرج من تحت إبط نائب “حزب اللّه” غازي زعيتر، مقدمًا اقتراح قانون تبين أن مضمونه يستنسخ الاقتراح الذي كان قد تقدّم به النائب السابق غسان مخيبر مع “مؤسسة مهارات” منذ العام 2010.
وكان هذا الاقتراح قد نوقش مطوّلا في لجنة الإدارة والعدل واللجنة الفرعية المنبثقة عنه، حتى وصل إلى صيغة إصلاحية تسعى بالإضافة إلى حوكمة القطاع الإعلامي إلى تنظيم المسؤولية الاجتماعية للإعلام، من خلال إنشاء هيئة مستقلة لحماية حرية التعبير، ومنع تجريم الصحافيين، مع حصر ملاحقاتهم بأطر مدنية، وإلغاء عقوبات الحبس والملاحقات الجزائية بحقهم، ووضع حدود دقيقة لخطاب الكراهية، والأهم ضمان بيئة آمنة لعمل الصحافي وحماية سريّة المصادر.
من خارج هذا المسار التشريعي المتقدّم، طرح النائب غازي زعيتر اقتراح القانون، معيدًا عقارب الساعة إلى ما قبل الإصلاحات التي نوقشت في لجنة الإدارة والعدل. فقام بخطوته المنفردة مع أنه عضو في هذه اللجنة. وهو ما خلّف انطباعات كثيرة بأن المطلوب العودة بالزمن إلى ما قبل الإصلاحات المطروحة في القانون، حفاظًا على الفوضى ومكتسباتها بالنسبة لكل فريق سياسي.
ومع أن الكرة اليوم في ملعب نائب رئيس مجلس النواب للدعوة إلى اجتماعات اللجنة الفرعية التي ستدرس المقترح وتبحث في ما يضيفه على القانون المقترح، يبدو مفيدًا أيضًا، العمل على إعادة تأسيس وتعريف واضح للمهنة، وعلى تنظيم فعلي، واستعادة استقلالية الصحافة وحريتها في جميع الساحات.
وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى السؤال قائمًا في ذكرى الشهداء: هل ما زالت المهنة قادرة على حماية الحقيقة، أم أنها بدأت تتحوّل هي نفسها إلى ضحية؟
المصدر: imlebanon




