كتب نجم الهاشم في “نداء الوطن”:
هل تكون الحرب الدائرة في لبنان اليوم بين إسرائيل و “حزب الله” آخر الحروب؟ إذا كانت الحرب انفجرت في 13 نيسان 1975 فهل يكون 14 نيسان 2026 موعدًا لنهاية مرحلة الحروب المتكررة التي عاشها لبنان وكانت أرضه مسرحًا لها؟ هل بدأت مسيرة الانتهاء من لبنان الساحة الفالتة والمتفجرة والعودة إلى لبنان الدولة السيّدة الحرة المستقلّة فعلًا؟ أم نحن على أبواب حرب أهلية جديدة يحكي عنها “حزب الله” ويهدّد بها حتى يحمي نفسه من قرارات الحكم والحكومة رافضًا نزع سلاحه متمسكًا بمشروعه التابع لولاية الفقيه مقاتلًا في سبيل إيران في لبنان؟
لا تشبه ظروف 13 نيسان 1975 ظروف 13 نيسان 2026. ولا يمكن الحديث عن أن ما بعد 13 نيسان كان حربًا أهلية فقط وأن ما بعد 13 نيسان 2026 يمكن أن يكون مقدّمات لحرب أهلية جديدة. صحيح أن الانفجار الكبير والمتواصل بتقطع وبعناوين كثيرة لحروب متناسلة بدأ في حادث البوسطة في عين الرمانة، ولكن قبل ذلك كانت هناك حوادث كثيرة ممهِّدة لهذا الانفجار في ظلّ وضع دولي وعربي وداخلي مساعد على إتمام ما كان مقدّرًا ومكتوبًا.
من حرب 1958 إلى حرب 1975
بدأت الحرب الأولى في لبنان بعد الاستقلال بـ 15 عامًا في 8 أيار 1958 في عهد الرئيس كميل شمعون ثاني رئيس للجمهورية. صحيح أن لبنان كان عاش آثار قيام دولة إسرائيل في 15 أيار 1948 واستوعب مئات آلاف اللاجئين ولكن السلاح الفلسطيني لم يكن عنصرًا من عناصر تلك الحرب. العامل الذي ساعد في تفجيرها كان الانقسام الداخلي المتمثل في جبهة معارضي الرئيس شمعون مدعومين من النظام في سوريا بعد إعلان الوحدة بينها وبين النظام المصري برئاسة جمال عبد الناصر. السلاح الذي أتى من دمشق، إضافة إلى الأموال، هو الذي كان الأداة التي فجّرت المواجهات. يومها كان النظام اللبناني لا يزال قويًا واستطاع أن يصمد حتى انتهاء ولاية الرئيس شمعون، ولم تنتهِ الأحداث إلِا بدخول قوات المارينز إلى لبنان وبتسوية بين واشنطن وجمال عبد الناصر أوصلت اللواء فؤاد شهاب إلى رئاسة الجمهورية.
تلك الأحداث نقلت المسألة اللبنانية إلى مرحلة جديدة وأدّت عمليًا إلى إدخال السلاح الفلسطيني إلى قلب المعادلة الداخلية بحيث بدأ العمل على تسليح الفلسطينيين في المخيّمات. هذا المسار أدّى إلى اندماج بين العامل الفلسطيني وبين جبهة القوى الإسلامية واليسارية والحركة الوطنية بهدف إزالة النظام اللبناني والقضاء عليه وتحويل لبنان أرض صراع مفتوح مع إسرائيل ووطنًا بديلًا للفلسطينيين. وساعد في هذا التحول هزيمة 1967 على جبهات سوريا والأردن ومصر مع إسرائيل، وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وازدياد حدّة التضامن مع القضية الفلسطينية على حساب القضية اللبنانية، الأمر الذي أدّى إلى قبول لبنان بـ “اتفاقية القاهرة” التي أعطت الحق للفلسطينيين بالعمل المسلح في لبنان. وزادت في تجميع عناصر الانفجار حرب أيلول 1970 في الأردن التي جعلت كل السلاح الفلسطيني يتجمّع في لبنان.
غابت بندقية الدولة وحلّت بندقية الثورة
كل تلك الأحداث جعلت لبنان مسرحًا محتملًا لحرب جديدة. الإشارة الأبرز كانت في الاشتباكات التي اندلعت بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين في أيار 1973 وانتهت بسحب الجيش من المعادلة الأمنية. ولذلك كان الخيار البديل بدء الأحزاب المسيحية الاستعداد لتحمّل مسؤولية الدفاع عن الكيان اللبناني والقضية اللبنانية. كل هذه العوامل مهّدت لانفجار 13 نيسان 1975.
قبل ذلك التاريخ كانت كل المؤشرات تدلّ على أن الاستعداد للحرب قائم. ولذلك كان من الطبيعي أن يحصل الانفجار إن لم يكن في 13 نيسان ففي أي يوم آخر قبله أو بعده. في الواقع عندما بدأت تلك الحرب كانت صورة الوضع على الشكل التالي:
المسيحيون مهدّدون بالزوال ومحاصرون ومضطرّون للقتال دفاعًا عن لبنان. في المقابل كان المسلمون بشكل عام يدعمون الفلسطينيين الذين شكّلوا القوة الأساسية في القتال والمعارك وكانت الحرب عمليًا بقيادة ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية. تحييد الجيش في معركة 1973 أخرجه من المعادلة بعد 13 نيسان 1975 وأدّى إلى انقسامه جيوشًا كثيرة. إضافة إلى كل ذلك كان العالم يتفرّج على حرب تندلع لتصفية قضيتين: القضية الفلسطينية والقضية اللبنانية. وكان العالم العربي يتفرّج ويدعم الفلسطينيين وكان المسيحيون متروكين لمصيرهم ولكنهم قاتلوا كلبنانيين دفاعًا عن لبنان.
سلاح “حزب الله” وحروب ما بعد الحرب
بعد عام 1990 اختلف الوضع كثيرًا. نهاية الحروب لم تكن إلّا مقدمة لحروب جديدة بقي فيها “حزب الله” وحده يمتلك السلاح في ظل عهد الوصاية السورية. كل المعارك التي حصلت بعد ذلك كان “الحزب” طرفًا فيها. حرب تموز 1993 وحرب نيسان 1996 وحرب تموز 2006، وصولًا إلى الحرب المستمرة منذ 8 تشرين الأول 2023. إذا كانت هذه الحروب وقفت فيها إسرائيل في الجبهة المقابلة إلا أن “الحزب” لم يتوانَ عن شن سلسلة من الحروب في الداخل حتى يثبت احتكاره لقرار الحرب والسلم وسيطرته على السلطة الرسمية وتحويلها إلى أدوات في خدمة مشروعه التابع لولاية الفقيه في إيران، بحيث أنه منذ تأسيسه لم يكن إلا قوة تابعة لـ “فيلق القدس” في “الحرس الثوري الإيراني”. فقد قاتل “الحزب” أولًا “حركة أمل” ليسيطر على القرار الشيعي، ثم قاتل سائر القوى اللبنانية لكي يبقى مسيطرًا. أبرز ما قام به على هذا الصعيد كان اغتيال الرئيس رفيق الحريري عندما استشعر مع النظام السوري أن هناك تحوّلًا استراتيجيًا في لبنان يقوم على رفض هيمنته وهيمنة النظام السوري من خلال وجود توجّه دولي يدعم استعادة السيادة اللبنانية بعد أحداث 11 أيلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، وإصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1559 الذي نصّ على نزع سلاح “الحزب” وسحب جيش النظام السوري من لبنان. وعندما بدأ التنسيق بين القوى المسيحية والبطريرك نصرالله صفير وبين الشارع السني بقيادة الرئيس رفيق الحريري والشارع الدرزي برئاسة وليد جنبلاط واليساريين برعاية جورج حاوي، وبتضامن مع شرائح واسعة في الشارع الشيعي، اتجه “الحزب” نحو الحروب الداخلية. بعد اغتيال الحريري قام بغزوة 7 أيار 2008 ضدّ السنة في بيروت والدروز في الشوف وعاليه ونفذ انقلابًا على “اتفاق الطائف” عندما فرض سيطرته على قرارات تشكيل الحكومات وتحكّم بمجريات انتخاب رؤساء الجمهورية فارضًا الفراغ والتعطيل بالقوة.
بحثًا عن حرب في الداخل
عندما خاض “الحزب” حرب مساندة “حماس” في غزة في 8 تشرين الأول 2023، بقرار من أمينه العام السيد حسن نصرالله، تجاهل كل التحذيرات والنصائح بعدم جرّ لبنان إلى هذه الحرب. وعندما خسر تلك الحرب وقبِل باتفاق وقف النار الذي نصّ على نزع سلاحه، عمل على تحميل اللبنانيين الآخرين مسؤولية هزائمه وخساراته. وبعد انتخاب الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام، بعيدًا من سيطرته، عمل على الاختباء وراء السلطة الجديدة لكي يخفي رغبته باستعادة السيطرة ويؤمن ظروف الانقلاب عليها، وهدّد بحرب أهلية جديدة وبمواجهة كربلائية وبقتال حتى قطع النفس، إذا حاولت السلطة نزع سلاحه.
بعد بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد نظام ولاية الفقيه في إيران واغتيال المرشد السيد علي خامنئي عاد في أول آذار الماضي إلى إشعال الحرب وتوعّد بحرب في الداخل لإسقاط ما اعتبر أنها سلطة وصاية وسلطة احتلال. ولكن بين نيسان 2026 ونيسان 1975 فوارق كثيرة.
نواف سلام بين 1975 و2026
المواجهة اليوم محصورة بين الدولة وبين “الحزب”. المواجهة التي يبحث لها “الحزب” عن بدائل هي مع الجيش اللبناني. عدم مبادرة الحكم إلى تنفيذ قرارات الحكومة بنزع سلاح “الحزب” واعتبار نشاطاته الأمنية والعسكرية خارجة عن القانون يمكن أن يؤدّي إلى انهيار الوضع الأمني وسيطرة “الحزب” على عدد من المناطق لا سيما بيروت. عدم تدخل الجيش هذه المرة يمكن أن تكون له تداعيات كارثية لأن المطلوب منه أن يتدخل لمنع الانهيار.
“حزب الله” يعمل وحيدًا اليوم في زجّ لبنان في حرب مدمرة. بينما تقف سائر القوى اللبنانية ضدّه. هذا الانقسام نقيض انقسام 1975. على الأقل الدروز والسنة والمسيحيون وقسم من الشيعة ضده أو معارضون له أو رافضون لسيطرته وحروبه.
مع نوّاف سلام اليوم، على رأس الحكومة والسلطة التنفيذية وفي ظلّ رئاسة الرئيس جوزاف عون للجمهورية، هناك اختلاف كبير عما كان عليه الوضع في مرحلة 1975 عندما كان رئيس الحكومة رشيد الصلح أو رشيد كرامي يغطّي السلاح الفلسطيني ويعارض رئيس الجمهورية ويريد إنهاء ما كان يسمى الامتيازات المسيحية ويرفض تدخل الجيش لمنع الحرب، هذا الأمر حاول “الحزب” أن يتمسك به من خلال الانقلابات التي نفذها ضدّ الأكثريات النيابية المؤيدة لقوى 14 آذار المعارضة له منذ العام 2005، ومن خلال حكومات ما بعد ثورة 17 تشرين وتفجير مرفأ بيروت في آب 2020 ومن خلال الاغتيالات والمشاركة في الحرب في سوريا دعمًا لنظام الأسد.
سلاح التقسيم وسلاح الوحدة
على عكس الواقع العربي والدولي قبل عام 1975، العالم كلّه اليوم يقف ضد “حزب الله”. والعالم العربي يقف في الجبهة الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران، والصواريخ الإيرانية تساقطت على دول الخليج أكثر مما تساقطت على إسرائيل.
ثمة قضية لبنانية تولد اليوم من جديد. “حزب الله” يعزل بيئته عن سائر البيئات اللبنانية الأخرى ويغامر بها في حرب غير متكافئة يريدها أن تكون دفاعًا عن إيران حتى لو كانت كربلاء جديدة. ولذلك يهدّد بانقلاب على الحكم والحكومة وبحرب أهلية يرفع شعارها من دون أن يجد من يلاقيه فيها. ولذلك يجد نفسه في مواجهة خاسرة سلفًا مع الدولة.
عام 1982 خرج السلاح الفلسطيني عمليًا من المعادلة الداخلية. وعام 2005 خرج جيش النظام السوري من لبنان قبل أن يسقط نظام الأسد نفسه في 9 كانون الأول 2024. يبقى أن سلاح “حزب الله” لا يزال يمنع قيام دولة حقيقية في لبنان. سقوط هذا السلاح ونزعه هو الطريق نحو إعادة بناء هذه الدولة واستعادة السيادة وتحرير لبنان حتى لا يؤدي حكمًا إلى تغيير النظام والخرائط والحدود وهو قد كان السبب في بلوغ هذه المرحلة. فهل من الممكن بعد العودة منها؟ وهل يمكن أن يكون نزع هذا السلاح نهاية لآخر الحروب في لبنان وعليه، ولسلام دائم وثابت وغير مستحيل؟
المصدر: imlebanon




