أخبار عاجلة

مَن يحمي العاصمة والسلم الأهلي؟

مَن يحمي العاصمة والسلم الأهلي؟
مَن يحمي العاصمة والسلم الأهلي؟

كتبت فتات عيّاد في “نداء الوطن”:

في الحرب كما في السلم، تدفع بيروت العاصمة ثمن خطف قرار الدولة في لبنان، لصالح الدويلة. وهذه المرة عبر استهدافات إسرائيلية لعمق بيروت الإدارية: من عائشة بكار، إلى زقاق البلاط والنويري، مرورًا بالروشة والرملة البيضاء… واستهداف إسرائيل لقياديين من الحرس الثوري الإيرانيّ في فندق أرمادا – الروشة، عزز خوف أهالي بيروت وسكانها من اختباء محتمل لقياديين لـ “حزب الله” وسلاحهم فيها، ما جعل أمن بيروت نفسه في خطر، ليس على مستوى الاستهدافات الإسرائيلية وحسب، إنما على مستوى السلم الأهلي نفسه، ولعل هذا ما حدا برئيس الجمهورية جوزاف عون للحسم بقوله “اليد التي ستمتد للسلم الأهلي ستقطع”.

وتيقظ السلطة السياسية في لبنان لخطورة المرحلة، ولضرورة قطع أي طريق لانفجار لبناني داخلي، تجلى بالخطة الأمنية التي دخلت حيز التنفيذ في بيروت منذ أيام. فالعاصمة التي تضم العدد الأكبر من النازحين ويقترب عدد سكانها اليوم من مليون ونصف، وتحوي مناطق لبنانية “مختلطة”، كانت في الأمس خطوط تماس بين منطقيّ “الدولة” و “الدويلة”، لا تحتمل انفجارًا أمنيًا داخليًا يهز سلمها الأهلي، ولا تحويلها بوتيرة الاستهدافات الإسرائيلية، إلى “ضاحية” ثانية تهدد أهلها وسكانها أنفسهم بالنزوح.

وفي سير الخطة الأمنية، علمت “نداء الوطن” أن وزير الداخلية أحمد الحجار كان قد التقى، السبت الفائت، رئيس الجمهورية حيث وضعه في أجواء التدابير الأمنية والتعزيزات لا سيّما في بيروت، في إطار العمل على تعزيز الأمن والاستقرار، لتأتي الخطة الأمنية مدعومة من رأس الهرم، رئيس الجمهورية جوزاف عون، مرورًا برئيس الحكومة نواف سلام ووزير الداخلية أحمد الحجار، واضعة أمن بيروت كأولوية، كونها ضامنة أمن واستقرار الوطن.

وأول غيث الخطة الأمنية، وفق معلومات “نداء الوطن”، مصادرة “عدد لا يستهان به من الأسلحة لـ “حزب الله” في بيروت”. وفي الأمن الاستخباراتي أيضًا “فقد رفض أحد فنادق العاصمة مؤخرًا، حجزًا لابن قيادي في أحد الفصائل الفلسطينية”. فماذا تكشف مصادر الداخلية لـ “نداء الوطن” عن الخطة الأمنية؟ وما دور الأجهزة الأمنية وبلدية بيروت؟ وماذا عن هواجس أهل العاصمة؟ وهل فعلًا الأمن بخير في بيروت؟

مصادر الداخلية: أمن بيروت أولوية

ولعل حديث الرئيس جوزاف عون خلال لقائه زوارًا، عن “قطع اليد التي تمتد للسلم الأهلي، وأن الأجهزة الأمنية تتخذ خطوات حازمة لمنع أي خلل أمني وتقوم بتوقيفات ومصادرة أسلحة وأن أحدًا في لبنان لا يرغب باندلاع حرب أهلية”، تزامنا مع الخطة الأمنية في بيروت، إنما يعكس إدراك السلطة السياسية بأن بيروت العاصمة، إنما هي مرآة للدولة والوطن، وأي تفريط بأمنها، هو تفريط بأمن الوطن.

في السياق، وعن تفاصيل الخطة الأمنية، تفيد مصادر وزارة الداخلية والبلديات بأن اجتماع مجلس الأمن الداخلي المركزيّ الأسبوع الماضي في الوزارة، خُصّص لبحث التطورات في لبنان مع تركيز على الوضع الأمني الداخلي في مختلف المناطق اللبنانية ولا سيّما في العاصمة بيروت.

وأشارت المصادر إلى أن هذا الموضوع كان قد جرى التداول به خلال اتصالات تشاورية أجراها وزير الداخلية مع كلّ من رئيسي الجمهورية والحكومة إضافة إلى لقائه مع رئيس مجلس النواب، كما تم طرحه خلال لقاء بين رئيس الجمهورية وقائد الجيش حيث طلب الرئيس عون تعزيز وجود الجيش وتكثيف الدوريات، خاصة في بيروت.

وقد طلب وزير الداخلية خلال اجتماع مجلس الأمن الداخلي المركزي تعزيز الحضور الأمني في جميع المناطق وخاصة في بيروت من خلال تكثيف الدوريات سواء باللباس المدني أو العسكري لطمأنة المواطنين من نازحين ومقيمين والحفاظ على أمن المدينة واستقرارها.

وشدّدت المصادر على عدم السماح بتواجد السلاح داخل مراكز الإيواء أو خارجها، وقد بوشر بتنفيذ الإجراءات المذكورة وهذا ما بدأ الناس تلمسه فعليًا على الأرض.

وعلمت “نداء الوطن” أنه خلال لقاء الوزير أحمد الحجار السبت، برئيس الجمهورية، جرى التشديد على أهمية التفاف الجميع حول الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية، بما يضمن حماية المواطنين وصون أمن المجتمع.

بين الأجهزة الأمنية… والبلدية

وكانت قد انتشرت مذكرة لقائد شرطة بيروت، العميد عماد الجمل، يطلب فيها من رؤساء دوريات في بيروت، نشر العناصر على أن لا تقل المسافة بين كل منهم عن العشرة أمتار على الأقل، وتمركز الدورية في مكان واضح على مرأى من المواطنين. علمًا أن كل الأجهزة الأمنية معنية اليوم بتنفيذ الخطة الأمنية في بيروت، وليس شرطة بيروت وحدها. فماذا عن التدابير على الأرض؟

مصادر أمنية، تشبّه الاستنفار الأمني في بيروت، من ضمن الخطة الأمنية بعبارة “لا عناصر أمنية في الثكنات… الجميع على الأرض، من فوج التدخل، السرية الخاصة – الفهود، إلى القوة الضاربة في شعبة المعلومات، إلى السرية الخاصة للشرطة القضائية swat وأمن الدولة والمجموعات الخاصة في الأمن العام…”. وحتى فوج حرس بلدية بيروت انضم للمساعدة. وعن إخلاءات لشقق، تشير المصادر، إلى أنه “أعطيت مهل لإفراغ شقق بالفعل وقد أخليت”.

مصادر أخرى، تذكّر بأنه بالأساس كانت هناك خطة أمنية في بيروت، أسفرت عن انخفاض نسبة الجريمة في آذار الحالي مقارنة بآذار الماضي. واليوم بات الحضور الأمني مكثفًا مع دخول الخطة الأمنية الجديدة حيز التنفيذ، من دوريات عادية للاستقصاء والمعلومات ومخابرات الجيش والقوى السيارة، وهو ما نتج عنه دوريات راجلة، مؤلّلة، تمركزات حواجز، وتركيز على مراكز النزوح بغية حفظ الأمن والنظام وتعزيز الطمأنينة والأمان بين النازحين والمقيمين ودورنا توقيف أي شيء مخالف، والسلاح ممنوع.

وعن جوازات السفر المزورة لقياديين في الحرس الثوري دخلوا لبنان وهو ما كشفه رئيس الحكومة نواف سلام في حديث تلفزيوني منذ أيام، إضافة لشكاوى أهالي بيروت عن مخاوف من احتمال سكن قياديين لـ “حزب الله” قربهم، أو طلب عناصر من “حزب الله” من تجار في شارع مار الياس في بيروت إزالة كاميرات المراقبة، تكتفي مصادر أمنية رفيعة بالتأكيد أن “الأجهزة الأمنية وبلدية بيروت تتابع كل هذه المواضيع عن كثب”.

فكيف تدار الأمور على الأرض؟

بيروت… والمليون نازح

وبيروت اليوم تحوي العدد الأكبر من النازحين نسبة لحجمها، ومنذ النزوح الأول لأهل الجنوب، وما تبعه من نزوح أهالي الضاحية بعد الإخلاءات شبه الكاملة فيها، حملت بيروت وتحديدًا ما يعرف ببيروت الثانية، الثقل الأكبر من النزوح لبنانيًا.

وبالأرقام، يوضح المسؤول الإعلامي في غرفة إدارة الكوارث في بيروت النقيب فادي بغدادي، أنه في بيروت هناك 141 مركز إيواء، تضم 45950 شخصًا، أي 11904 عائلات في آخر التحديثات. وعن النازحين الذين يفترشون الطرقات، يوضح أننا “نقلنا جزءًا منهم إلى عكار والبقية ترفض الانتقال للبقاء قرب منازلها في الضاحية”.

علمًا أن هذا هو عدد النازحين في مراكز الإيواء حصرًا، فيما هناك مستأجرون أو نازحون بالآلاف لدى أقربائهم في العاصمة.

هواجس أهالي بيروت

أمام هذا العدد الكبير من النازحين، تتصاعد هواجس أهالي بيروت من “نزوح يقابله نزوح”، أي من “أن نصبح نازحين هربًا من قياديين لـ “حزب الله” يختبئون بين النازحين”. وخوفًا من الضربات الإسرائيلية التي طالت بيروت. تقول إحدى السيدات في منطقة “مختلطة سكانيًا “نريد أن نرى الدولة بأعيننا لتطمئن قلوبنا، ونريد أن نرى القوى الأمنية على أبواب المدارس وهي التي تنظمها، فهل يعقل أن يدير عملية النزوح اليوم، الأهالي أنفسهم، وضمنهم حزبيون؟!”.

مضيفة “ما شغلتي أعمل follow للمتحدث اسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، وشوف وين بدو يهددني. ولا شغلتي خاف من جيران، بشقق تأجرت أو انباعت جديد”. مستخلصة أن صرخة كل البيارتة، اليوم هي انتشار الدولة في بيروت، فيما الشوشرة الحقيقية هي في غياب الدولة لصالح الدويلة.

مدارس الطريق الجديدة: تنسيق مع القوى الأمنية

غالبية مدارس الطريق الجديدة، استقر فيها أهالي عسكريين من جيش وقوى أمنية ما جعل نسبة الخلافات أو المخالفات فيها لا تذكر. أما مدرسة عمر فروخ في الطريق الجديدة – الكولا، حيث يتمركز نازحون من غير أسر العسكريين، فيطمئن الناشط البيروتي، محمد خير بنوت، أحد المبادرين لتنظيمها وإدارتها، إلى جانب ناشطين من أهالي النازحين، إلى أنها نموذج يثبت بأن اللبنانيين قادرون على التنظيم، حتى في أحلك الظروف.

وإذ يوضح بأن المساعدات تأتي من الدولة وجهات أهلية، يلفت إلى الحاجة أيضا لتوفير مساعدات مالية عينية للنازحين، لتأمين حاجاتهم من غير الطعام، كالطبابة وغيرها.

وعلى المستوى الأمني، يشير إلى أنه “لا سلاح داخل المدرسة، ولا مشاكل فيها، فكل شيء مضبوط لحماية أهلنا النازحين”. أما القوى الأمنية “فننسق معها بشكل دائم، والمعلومات ومخابرات الجيش تتفقد أحوال المدرسة بشكل دوري”.

بلدية بيروت: تنسيق مع المخاتير

بلديات صغرى في لبنان، استطاعت فرض إجراءات صارمة على قاطنيها، لناحية عدم تأجير أي نازح دون المرور بها وبموافقتها، للإطمئنان إلى أنه لا يوجد بين العائلات قياديون في “حزب الله”، “مستهدفون” محتملون.

في السياق، يبرر مراقبون لبلدية بيروت، عدم قدرتها على تطبيق ذلك بصرامة، بحجة نطاقها الواسع، وتعقيد تركيبتها، حيث هناك من يقطنون بلا عقود إيجار، كشارين جدد، خصوصًا وأن “حزب الله” يعد العدة لهذه الحرب منذ وقف إطلاق النار، أي منذ أكثر من عام ونصف.

عضو بلدية بيروت، رشا فتوح، تؤكد في حديث لـ “نداء الوطن” أننا “نلبّي شكاوى أهلنا في بيروت على قدر استطاعتنا، ونأخذ هواجسهم على محمل الجد، بشكل يحافظ على الأمن والسلم الأهلي في المدينة، الذي نضعه في سلم أولوياتنا”.

وعن الإجراءات المتخذة، تقول فتوح “فعّلنا عمل الحرس البلديّ، ونعمل من خلال التنسيق مع المخاتير واجتماع رئيس البلدية الأسبوعي معهم، لضمان عملية تأجير تراعي الأمن البيروتي، مطمئنة إلى أن المخاتير وأهالي بيروت متعاونون في هذا السياق. لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أنه “هناك أمور قد تخرج عن سيطرة البلدية، لا سيما التي تحصل من خارج عمليات التأجير العادي، كحادثة عائشة بكار مثلًا”.

وعن محاولات “حزب الله” الضغط على تجار في شارع مار الياس وغيره، لإزالة كاميراتهم، تشدد “هذه المحاولات مرفوضة، ونطمئن أهل بيروت، إلى أن المحافظ وبلدية بيروت لن يقبلا بأي محاولة للسيطرة الأمنية على المدينة”.

في المقابل، تدعو فتوح “لنصبر على بعضنا بعضًا، فالنازحون أحبابنا وضيوفنا، وعلينا تجاوز المرحلة بلا أي نزاع طائفي، فسلم وأمن بيروت أولويتنا”.

لـ “العقلاء” دور في بيروت كي لا يتكرر 7 أيار

العميد المتقاعد خالد جارودي، يشير إلى دور كبير مطلوب من “العقلاء” في بيروت اليوم، لا سيما بيروت الثانية، لتدارك الأمور، ومنعها من الذهاب نحو الأسوأ، فالانحدار في الخطاب مسيطر من جميع الجهات.

ويقول “النزوح متمركز في دائرة بيروت الثانية، فيما في بيروت الأولى الوضع مضبوط ونوابها رغم اختلاف انتماءاتهم السياسية، يتصرفون كيد واحدة في الاستجابة للأزمة، وقد رأينا تضامنهم حول مركز إيواء الكرنتينا، رغم أنهم لم يقدموا اقتراحات بديلة”.

وعن دور الدولة من منظور أمني، يشير جارودي إلى أن المطلوب من مديرية المخابرات في الجيش وشعبة المعلومات اليوم، منع الفتنة، فهناك فيديوات تحريضية، تشحن النفوس، ويجب منعها، والمطلوب ضبط المشاكل وتوقيف المعتدين من الأطراف كافة، وليكن 7 أيار تاريخًا نستفيد منه. فأهل بيروت يريدون الأمن، والضمانة الوحيدة لتطبيقه هي الدولة.

الشعب يريد الدولة

والشعب اللبناني اليوم، من نازحين أو بيئات مضيفة، تائق لـ “دولة” تفرض نفسها بـ “الإنماء” و “الأمن”، والاستجابة للأزمات عبر التخطيط للاستجابة قبل وقوع الكارثة.

والسؤال اليوم: هل تفعل الدولة في بيروت في الأزمة ما لم تفعله خلال عام ونصف في الضاحية الجنوبية لبيروت؟ عبر فرض سيادتها وسلاحها وحدها في المدينة؟ ليس فقط حماية للسلم الأهلي، أو تجنيبًا لضربات إسرائيلية، بل حماية لفكرة الدولة نفسها؟ إذ لا دولة سيدة على أراضيها، وعاصمتها يهددها سلاح غير شرعي.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مسيحيو لبنان: من دور الحماية إلى مسؤولية المبادرة
التالى إسرائيل تبلغ واشنطن وباريس عدم ممانعتها دعم الجيش اللبناني