5 ساعات في البقاع: قصة الكوموندوسر في النبي شيت

5 ساعات في البقاع: قصة الكوموندوسر في النبي شيت
5 ساعات في البقاع: قصة الكوموندوسر في النبي شيت

كتب منير الربيع في المدن:

كانت الحادية عشرة و25 دقيقة، أتلقى رسالة عبر الهاتف تشير إلى حصول إنزال إسرائيلي في البقاع. لم يكن الأمر مستغرباً، إذ كنت قد توقعت ذلك مراراً، وهناك إنزالات إسرائيلية كثيرة حصلت في لبنان، ومعلومات جرى التداول بها سابقاً عن سعي الإسرائيليين للدخول إلى مواقع استراتيجية لحزب الله لا يمكن تدميرها عبر قصفها بالطائرات، لأنها في مناطق جبلية تضاريسها صعبة جداً وجرى إنشاؤها داخل الجبال. سألت المرسل عن المنطقة فلم يكن لديه جواب دقيق، قال إن المعركة ما بين معربون وحام ويحفوفا والنبي شيت. من الواضح أنه كان قد سمع بالخبر كما آخرين من دون أيّة تفاصيل إضافية.

بدأت بإجراء الاتصالات، مع مسؤولين وأمنيين وبعض المعنيين أو الذين يمكن أن يمتلكوا أي معلومة. أحدهم سارع إلى نفي الأمر، آخر أشار إلى أن ما يحكى عن إطلاق النار ناتج عن توتر على الحدود السورية اللبنانية. وعندما سألت عن الكلام حول تحليق مروحيات في الأجواء، قال إنها مروحية للجيش اللبناني لنقل أحد جنوده الجرحى بنتيجة إصابته بطلقة طائشة آتية من سوريا.

 

كان التضارب في الروايات يشير إلى أن عملية غير عادية تحصل في تلك المنطقة، خصوصاً أن الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت قد توقفت طوال ساعات الليل، منذ ساعات المساء الأولى، فيما كانت الطائرات الحربية تحلّق في كل الأجواء اللبنانية على علو منخفض وتنفذ غارات وهمية. أعود للاتصال ببعض المعنيين، بعد حوالى الساعة، ليشيرون إلى وقوع اشتباكات كبيرة، وعمليات قصف وغارات على مناطق مختلفة في البقاع، علماً أن الغارات لم تتوقف على مناطق “النبي شيت، الشعرة، جنتا، وسرعين” طوال المساء والليل، وكانت هذه الغارات بهدف تأمين التغطية النارية للقولة المتوغلة. على وقع أصوات الاشتباكات، بدأت تتعمم رسائل تطلب من السكان التوجه إلى مقبرة آل شكر حيث تم تطويق قوة إسرائيلية والاشتباك معها، كما أن الرسائل تضمنت المطالبة بإقامة حواجز في قرى مختلفة محيطة بالنبي شيت وتوقيف أي سيارة إسعاف تتحرك بعدما تبين أن القوة الإسرائيلية التي دخلت إلى المنطقة تحركت عبر خمس سيارات، من بينهم سيارتا إسعاف متطابقتين تماماً للسيارات التي تستخدمها الهيئة الصحية الإسلامية التابعة لحزب الله، وسيارة من نوع هامر مشابهة لتلك التي يستخدمها الجيش اللبناني. هنا تتكاثر الأسئلة حول كيفية تأمين السيارات من قبل القوة الإسرائيلية، وهل كان لديها عملاء على الأرض في لبنان، أم أنها أدخلتها من جهة الأراضي السورية.

 

عند 12:30 بعد منتصف الليل، أتلقى تأكيداً بأن ما جرى هو عملية إنزال إسرائيلية، وأن القوة المتوغلة المؤلفة من ثمانية جنود، كانت في مدافن آل شكر، وعندها سريعاً جرى الربط بأن العملية تتصل بالبحث عن جثة كابتن الطيران الإسرائيلي رون آراد الذي أسر في لبنان سنة 1986، وسريعاً تستحضر الضابط اللبناني من آل شكر الذي اختطفه الإسرائيليون من لبنان قبل أسابيع للتحقيق معه حول مصير آراد. ولكن الاشتباكات التي اندلعت، واكتشاف قوة الكوموندوس كان قد حصل بعد انتهاء العملية، وليس مع بداياتها.

 

فالإنزال كان قد بدأ عند السادسة مساء؛ أي وقت الإفطار، إذ جرى تسريب شريط فيديو مصور بكاميرات حرارية، قيل إنها تعود لكاميرات أبراج المراقبة التي شيدها البريطانيون قبل سنوات على الحدود اللبنانية السورية، يظهر الفيديو مروحية، يترجل منها عدد من الجنود، ويتقدمون سيراً على الأقدام، في حين حلقت المروحية مغادرة. بيان الجيش اللبناني تحدث عن أربع طائرات مروحية وأنه جرى رصدها عند الحادية عشرة إلا عشر دقائق، وعلى ما يبدو أن عملية الرصد حصلت للمروحيات عندما قدمت لإجلاء القوة المتوغلة، أما ارتفاع عدد المروحيات فهو بنتيجة طلب الإسرائيليين لمؤازرة لتأمين طريق خروج جنودهم بعد أن جرى اكتشاف أمرهم ووقوع اشتباكات مع حزب الله والأهالي. فمنذ مساء الجمعة كانت حركة المروحيات الإسرائيلية مرصودة فوق جبل الشيخ وعلى الحدود اللبنانية السورية.

 

عملت القوة الإسرائيلية على البحث عن جثة آراد، وقد حفرت أحد المدافن وانتشلت منه رفاة، ووفق المعلومات فإن المدفن مقسم إلى طبقتين، الطبقة السفلى لصاحبه الأساسي، والطبقة العليا لجثة آراد وفق ما يفترض الإسرائيليون أو وفق ما استقوه من معلومات بنتيجة التحقيقات التي أجروها مع الضابط أحمد شكر الذي اختطفوه من البقاع قبل فترة، وشكر هو شقيق حسن شكر الذي كان قيادياً في حركة أمل وكان أحد المعنيين بخطف آراد الذي أسقطت طائرته في منطقة الغازية في الجنوب عام 1986، وجرى نقله إلى البقاع.

 

أعلن الإسرائيليون أنهم لم يعثروا على رفاة آراد. هنا لا بد من العودة إلى مرحلة ما بعد اختطاف النقيب شكر، عندها تفيد مصادر متابعة بأن جهة معينة اتجهت إلى مدافن عائلة شكر وأجرت أعمالاً في المدفن، بعض التقديرات تشير إلى سحب رفاة ووضع رفاة لجثة أخرى مكانه. وفي حال كان حزب الله فهذا يعني أن الحزب قد سبق الإسرائيليين بخطوة في إطار الحرب الأمنية. لكن هنا تتزاحم الأسئلة التي لا تتوفر أجوبة لها، فهل يُعقل أن لا يفكر الإسرائيليون قبل تنفيذ العملية بإمكانية لجوء أي جهة لها علاقة بجثة أراد أن تتحرك وقائياً؟ أم أن هناك هدفاً آخر أراد الإسرائيليون تحقيقه؟ الأكيد أن نتنياهو يريد تحقيق إنجاز من خلال استعادة رفاة أراد، ولكن هل ذلك مناسب مع نتيجة غير مضمونة وفي ظل حالة الحرب القائمة والاستنفار لدى حزب الله؟ كذلك فإن الوقت الذي بقيت فيه القوة الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية والذي يقارب الخمس ساعات، هل كان كله مخصصاً للبحث عن أراد؟ أم أن تأمين الطريق استغرق كل هذا الوقت أم أن عملية أخرى كان الإسرائيليون يسعون إلى تنفيذها ولم ينجحوا بها فكان اللجوء إلى عملية البحث أراد، أم أنهم أرادوا تنفيذ عمليتين متزامنتين؟ هل كانت محاولة لأسر قيادي في حزب الله وفشلت؟ أم للحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها إلا بالوجود على الأرض؟

 

هو ليس الإنزال الإسرائيلي الأول في لبنان، بل سبقته عمليات كثيرة، بعضها لم يُعلن عنه، ومن بينها عملية حصلت في عام 2023 بإنزال بحري في منطقة الأوزاعي باتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت، يومها، لم يرصد حزب الله القوة المتوغلة، ولم يكتشفها إلا بعد إنهاء مهمتها وخلال المغادرة، ولكن في تلك الفترة لم يحصل اشتباك ولم يقع إطلاق نار، بخلاف العملية التي حصلت في النبي شيت واكتشفت في نهايته، وأدخلت البقاع كله في حالة فوضى هائلة، خصوصاً أن اشتباكات واسعة اندلعت شارك فيها أهالي المنطقة الذين واصلوا إطلاق النار حتى ما بعد مغادرة القوة الإسرائيلية.

 

لن يكون الإنزال الأخير، سيكون هناك محاولات إسرائيلية كثيرة، في تنفيذ إنزالات لأهداف أمنية كمثل محاولات اقتحام مواقع استراتيجية لحزب الله، والبحث عن الصواريخ البالستية وبعض مصانع المسيرات وأسلحة وتقنيات أخرى، وإنزالات لأهداف عسكرية في حال قرروا السيطرة على نقاط وتلال مرتفعة في خضم الحرب المفتوحة التي على ما يبدو أنها ستكون طويلة. يفتح إنزال النبي شيت باباً جديداً على تصعيد جديد في البقاع وفي مختلف المناطق، في ظل الإصرار الإسرائيلي على مواصلة الحرب التدميرية لتدمير كل قدرات حزب الله العسكرية والأمنية ومؤسساته المالية والمدنية وفق الرسائل التي تلقتها بيروت، وسط معلومات تشير إلى أن باب التفاوض لا يزال مقفلاً، ولا وقف للحرب إلا بتحقيق أهدافها أو بحال وافق حزب الله على كل الشروط. ذلك سيؤسس إلى تصعيد عسكري إسرائيلي من جهة، وتصعيد سياسي داخلي من جهة أخرى عبر زيادة الضغوط على الجيش اللبناني لسحب سلاح الحزب والدخول في مواجهة معه والسيطرة على مواقعه وتفكيك كل بناه الأمنية والعسكرية والمالية لتفادي الحرب المجنونة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عملية إنزال “النبي شيت” تفتح فرضيات استخبارية وعسكرية
التالى “الحزب” يُعلن عن اشتباكات مع الجيش الإسرائيلي