افتتحت النسخة 13 من مؤتمر”نساء في الخطوط الأمامية” (Women on the Front Lines – WOFL) الذي تنظمه مؤسسة مي شدياق بالشراكة مع UNWOMEN برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام في فندق فينيسيا – بيروت.
حضر الافتتاح رئيسا الحكومة السابقين فؤاد السنيورة وتمام سلام، زوجة رئيس الحكومة نواف سلام سحر بعاصيري ووزراء: السياحة لورا الخازن لحود، التنمية الادارية فادي مكي، الشباب والرياضة نورا بيرقداريان الشؤون الاجتماعية حنين السيد، الطاقة والمياه جو الصدي والبيئة تمارا الزين والنواب: غسان حاصباني، بيار بو عاصي، اديب عبد المسيح، هاكوب تيريزيان، وضاح الصادق، سليم عون، زياد حواط، انطوان حبشي، ألان عون، سيمون أبي رميا، جورج عقيص، ميشال دويهي، الياس اسطفان وجهاد بقرادوني، ممثّلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان جيلان المسيري، الوزراء السابقون: سعادة الشامي، زينه عكر، غطاس خوري، نقولا نحاس، جوني قرم، هنري خوري، وليد الداعوق ،غادة شريم ، باسم الشاب وريا الحسن، المديرة العام لتلفزيون لبنان إليسار نداف، كارين الجميل، وعدد كبير من السفراء والديبلوماسيين وممثلي هيئات الأمم المتحدة، الهيئات التي تعنى بشؤون المرأة.
بداية النشيد الوطني ثم قدمت المؤتمر الإعلامية أورور كرم التي اعتبرت أن “المؤتمر لتبادل الأفكار والخبرات، والاستماع إلى أصوات وتجارب تركت أثرًا في مجالات متعددة، فمؤتمرنا ليس مجرد مساحة للنقاش والحوار، بل هو أيضًا مناسبة لتسليط الضوء على أهمية المشاركة والقيادة، وعلى ما يمكن أن يحقّقه العمل المشترك من أثر ايجابي”.
شدياق
والقت الدكتورة مي شدياق كلمة رحبت فيها براعي المؤتمر سلام وبالمشاركين وقالت: “إنّ حضورَكُم اليوم يُضفي على لقائنا قيمةًً خاصة، فحين تَجتمِعُ الإراداتُ وتتلاقى الخبراتُ وتتنوّعُ الرؤى، تتّسِعُ أمامَنا آفاقٌ جديدة للعملِ والتغيير. شكرًا لكم لأنكم تشاركوننا هذا اللقاء، ولأنكم تؤمنون بأنّ تمكينَ المرأة ليس قضيةً تخُصُّ النساءَ وحدَهنَّ، بل هو ركيزةٌ أساسية لتقَدُّمِ المجتمعِ بأسره. أهلًا وسهلًا بكم في النسخة الثالثة عشرة من المؤتمر حيث نلتقي في وقتٍ تزدادُ فيه التحديات،وتُصبحُ فيه الحاجة إلى شجاعةِ النساء وصمودِهنّ ومشاركَتِهنّ في صُنْعِ المستقبل، أكثرَ إلحاحًا من أيِّ وقتٍ مضى”.
اضافت: “لكنْ ثمةَ سؤالٌ لا يجوزُ أنْ نتوقَّفَ عن طرحِه: لماذا يُطْلَبُْ من المرأة أنْ تكونَ قويةً في مواجهةِ الأزمات، فيما لا تُمنَحُ دائمًا القوةَ نفسَها في مواقعِ القرار؟ لماذا نَحْتَفي بصمودِ النساء، ولا نَفتحُ أمامَهُنّ بالقدرِ الكافي أبوابَ القيادة؟ ولماذا نَثِقُ بقُدْرَتِهِنَّ على حمايةِ المجتمعات في أصعبِ الظروف، ثم نَتَردَّدُ في إشراكِهِنَّ في رَسْمِ مستقبِلها؟ في العامِ الماضي، عُدنا بهذا المؤتمر إلى بيروت، رغم الجراحِ والتحديات. أما اليوم، فلا يَكفي أنْ نُثبتَ قُدْرَتَنا على الصمود؛ علينا أن نُثبِتَ قُدرَتَنا على التغيير. لقد دفعَ لبنانُ أثمانًا باهظة. خسِرنا أحبة، وتضرَّرت بيوتٌ ومؤسسات، واضطُُّرَ كثيرون إلى مغادرةِ قراهُم أو التفكيرِ في مستقبلٍ لهم يكونُ بعيدًا عن وطنِهم. لكنَّ الخطرَ الأكبَر هو أنْ نعتادَ الخسارة، وأنْ نَتَصالَحَ مع التراجع،وأنْ نعتبرَ ما نعيشُه قدَرًا لا يُمْكِنُ تغييرُه. نريدُ لبنان الذي يُعيدُ إعمارَ ما دمَّرَته الحرب، ولكنْ ليس بالحجرِ وحدَه؛ بل بإعادةِ بناءِ الثقةِ بين المواطنِ والدولة، نريدُ دولةً تصونُ سيادتَها، وتُطبِّقُ قوانينَها”.
وسألت: “لكنْ كيف يُمكنُنا أنْ نَتحدَّثَ عن النهوضِ الاقتصادي، فيما لا نَستفيدُ من طاقاتِ نصفِ المجتمع؟ كيف نستثمرُ في تعليمِ الفتيات، ثم نضَعُ أمام النساءِ الحواجزَ التي تمنعُهُنَّ من الوصولِ إلى فرصِ العملِ والتمويلِ والقيادة؟”.
ولفتت إلى أن “تمكين المرأة ليس ملفًا إضافيًا على جدولِ أعمالِ التعافي بل جزءٌ من التعافي نفسِه. إنَّ المرأةَ التي أثبتَت كفاءتَها في ميادينِ العلمِ والإعلامِ والاقتصادِ والعملِ العام لا تحتاجُ إلى شفقة، بل إلى فرصٍ عادلة، وإلى مؤسساتٍ تعترفُ بقدراتِها، وإلى إرادةٍ تترجمُ المساواةَ من نصوصٍ إلى مُمارَسة وهذا ينطبقُ أيضًا على مستقبلِنا التكنولوجي. فالذكاءُ الاصطناعي والاقتصادُ الرقمي يفتحان أمام لبنان فرصًا جديدة لاسيما للنساء أما الإعلام فمسؤوليتُه اليوم أكبر من أيِّ وقتٍ مضى. ففي زمنِ التضليل وسرعةِ انتشارِ الأخبار، تُصبحُ المهنية خطَّ الدفاعِ الأول عن وعيِ المجتمع”.
أضافت: “أقول لكلِّ إمرأة تُواجِهُ الخوفَ أو التمييز أو الإقصاء: تَمسَّكي بحقِّكِ، إرفعي صوتَك، وكوني حاضرة حيث تُصنعُ القرارات.وأقولُ لكلِّ رجلٍ يُؤمِنُ بلبنان الذي نَطمحُ إليه: إنَّ دعمَ مشاركةِ النساء ليس تنازلًا عن دور،بل مساهمةً في بناءِ وطنٍ أكثرَ عدالةً وقوة. معركتُنا ليست بين النساءِ والرجال، بل ضدَّ الإقصاءِ والفشل وكلّ ما يمنعُ وطنَنَا من استثمارِ كاملِ طاقاتِه”.
ختمت: “لنجعلْ من هذا المؤتمر نقطةَ انطلاق ولْنَعمَلْ معًا كي لا تبقى النساءُ في الصفوفِ الأمامية لمواجهة الأزمات فحسب،بل ليَكُنَّ أيضًا في الصفوفِ الأمامية لقيادةِ التعافي، وصناعةِ القرار، وبناءِ السلام. لأنَّ لبنان الذي نريده لن يُبنى بنِصفِ طاقاتِه، ولنْ يَنْهَضَ بإقصاءِ نسائه”.
وتوجهت شدياق الى والدتها قائلة: لك اليوم حصة خاصة بهالمؤتمر، لأنك إنتِ لطالما كنت امرأة على خطوط المواجهة مبارح صار عمرِك ٩٠ سنة. يمكن ما تكوني قادرة تسمعيني منيح، بس بعرف إنك عم تحضريني هلّق على Tele Liban وأنا أكيدة إنِّك رح تِحزَري من شفافي قديش أنا بحبّك وقديش أنا فخورة إني بنتك. ماما، خسرتِي بيّي وخيي، وشفتِي بِنتك عم تتألّم، ومع هيك بقيتِي قوية. ربّيتينا على خطوط التماس ببيروت، بالجمّيزة، وواجهتِي الحرب والخسارة، وضلّيتي واقفة، وضلّيتي السند إلي ولإخواتي ميرا وميشا. ماما بعرف قديش إنت مقهورة إنو أحفادك ال 8 كلّهم تغرّبوا بسبب الانفجارات والحروب يللي ما عم تخلص. بعيدِك التسعين، ما فيني إلا ما اتمنّالك الصحة والعمر المديد. إنتِ بركِة بحياتنا، وإنتِ بالنسبة إلي مثال المرأة المناضلة. الله يخلّيكِ فوق راسنا ويخلّليلكم جميعاً أمّهاتكم”.
حرب
والقت حرب كلمة قالت فيها: “يشرفني ويسعدني أن أكون معكم اليوم، باسم لوريال لبنان، لافتتاح الدورة الثالثة عشرة من مؤتمر امرأة على خطوط المواجهة”.
أضافت: “نفخر في لوريال برعاية هذا الحدث للسنة الثانية على التوالي، انطلاقاً من إيماننا، بالشراكة مع مؤسسة مي شدياق وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، بأهمية تحويل الحوار حول تمكين المرأة إلى خطوات عملية تسهم في بناء لبنان أكثر استقراراً، بمؤسسات أقوى واقتصاد مستدام وقيادة شاملة. إن عنوان مؤتمرنا يحمل اليوم معنى متجدداً. فبعدما ارتبطت المواجهة لسنوات بالصمود في وجه الأزمات، أصبحت أيضاً مواجهة من أجل بناء المستقبل، في الاقتصاد والعلوم وريادة الأعمال والتكنولوجيا وصنع القرار”.
تابعت: “لقد أثبتت المرأة اللبنانية قدرتها على الصمود في أصعب الظروف، لكن طموحنا يجب أن يتجاوز ذلك، لتكون شريكة كاملة في اتخاذ القرارات وصناعة المستقبل. فعلى الرغم من حضورها الواسع في التعليم والجامعات، لا يزال تمثيلها يتراجع كلما اقتربنا من مواقع القيادة. وهذا لا يشكل مجرد خلل في الأرقام، بل خسارة للكفاءات والأفكار وفرص النمو التي يحتاج إليها لبنان. فلا يمكن لأي بلد أن يبني مستقبلاً قوياً إذا لم تتح لجميع طاقاته البشرية فرص عادلة للمشاركة والإسهام. فالقيادة استحقاق يقوم على الجدارة، ومسؤولية ينبغي أن تكون متاحة للجميع. ومن هذا المنطلق، نؤمن في لوريال بأن التغيير يبدأ من داخل المؤسسات، من خلال توفير الفرص العادلة والثقة والمساحة اللازمة للتقدم والقيادة. على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً في لبنان، عملنا على ترسيخ ثقافة مهنية تقوم على الكفاءة والالتزام والأثر. واليوم، تشكّل النساء 59 في المئة من فريق عملنا، و80 في المئة من أعضاء مجلس إدارتنا. وهذه الأرقام ليست غاية بحد ذاتها، بل ثمرة ثقافة مؤسسية تمنح الكفاءة فرصتها الحقيقية. أما على المستوى الشخصي، فقد تعلمت من مسيرتي، من عملي مهندسة صناعية في إدارة المصانع والعمليات وسلاسل الإمداد، في مجال يغلب عليه الرجال، وصولاً إلى إدارة الأعمال والشركات وقيادة لوريال لبنان، أن تمكين المرأة لا يقتصر على تشجيعها على الإيمان بنفسها، بل يتطلب أيضاً مؤسسات وأشخاصاً يؤمنون بقدراتها ويمنحونها الفرصة لإثبات كفاءتها”.
وقالت: “تتجسد هذه القناعة في ثلاثة محاور أساسية:
أولاً: تمكين المرأة في العلوم.
بالشراكة مع اليونسكو والمجلس الوطني للبحوث العلمية، ندعم الباحثات في مجالات العلوم والابتكار من خلال برنامج «من أجل المرأة في العلم»، الذي كرّمنا في إطاره أكثر من 120 عالمة، من بينهن عالمات حظيت إنجازاتهن بتقدير دولي. ونواصل التزامنا السنوي بدعم ست باحثات، إيماناً بأن الاستثمار في العلم هو استثمار في المعرفة والابتكار وقدرة لبنان على المنافسة عالمياً.
وأتوجه بالشكر إلى سعادة السفيرة سحر بعاصيري على ثقتها المستمرة بهذا البرنامج ورعايتها له، وتشريفنا بحضورها للسنة الثانية على التوالي.
ثانياً: التمكين الاقتصادي وريادة الأعمال.
أطلقنا برنامج التمكين الاقتصادي للمرأة، بالشراكة مع Endeavor وESA وPublicis، لمواكبة رائدات الأعمال اللواتي يسعين إلى تنمية شركاتهن وتوسيع أعمالهن، من خلال التدريب والخبرة وبناء شبكة من العلاقات المهنية.
فنجاح رائدة الأعمال لا يقتصر عليها وحدها، بل يسهم في خلق فرص العمل، والحد من هجرة الشباب، وتحريك الاقتصاد، وفتح المجال أمام رائدات أخريات.
ثالثاً: إبراز القدوات النسائية.
من خلال مبادرة «Women of Worth»، نسلّط الضوء على نساء لبنانيات أحدثن أثراً في مجالات مختلفة، ونمنح قصص نجاحهن المنبر الذي تستحقه. فوجود القدوات يساعد الأجيال الشابة على توسيع طموحاتها والإيمان بقدرتها على النجاح والقيادة”.
تابعت: “إن تعزيز حضور المرأة في مواقع القيادة مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص والأحزاب السياسية والهيئات الفاعلة. وهي مسؤولية تقتضي بناء بيئة عادلة تكون فيها الكفاءة هي المعيار، وتتوافر فيها فرص المشاركة والقيادة للجميع. وللمناسبة، نتوجه بتحية تقدير إلى الرئيس سلام على الخطوات المتخذة لتعزيز حضور المرأة في الحكومة، كما نحيّي جهود الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، برئاسة السيدة الأولى، والدور الذي تؤديه نائبة الرئيس، السيدة سحر بعاصيري سلام، في تعزيز حقوق المرأة وتوسيع مشاركتها في صنع القرار”.
أضافت: “إن طموحنا هو بناء لبنان أكثر استقراراً وسلاماً، باقتصاد منتج ومؤسسات قوية، وسياسات تواكب التطور والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتستفيد من طاقات جميع أفراد المجتمع. وإذا كان صمود المرأة عنوان المرحلة الماضية، فلنعمل معاً ليكون عنوان المرحلة المقبلة شراكة حقيقية بين المرأة والرجل في قيادة التغيير وبناء مستقبل لبنان”.
المسيري
تحدثت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في لبنان جيلان المسيري وقالت: ” يسعدني أن أكون معكم اليوم في مؤتمر يحمل عنواناً شديد الصلة باللحظة التي يعيشها لبنان راهناً. نلتقي اليوم ولبنان يمرّ بمرحلة بالغة الأهمية؛ فما تزال الأوضاع في الجنوب تُبقي كثيراً من العائلات في واقع من النزوح والخسارة وعدم اليقين. وفي الوقت نفسه، تتواصل جهود وطنية حثيثة لتأمين العودة الآمنة والكريمة، والمضي في مسار التعافي وإعادة الإعمار، واستعادة الثقة بالمؤسسات، ومواصلة الإصلاح والتنمية. في هذه المرحلة، إلى جانب تجاوز الأزمة الراهنة، يبرز سؤال أساسي عن المستقبل: أي مستقبل يتطلع إليه لبنان، ومن يشارك في صياغته؟ من هنا تكتسب حقوق النساء، والمساواة في المواطنة، ومشاركتهن الفعلية في صنع القرار أهميتها. فهي ليست ملفاً منفصلاً عن أولويات لبنان، بل ترتبط بقوة مؤسساته، وباقتصاده، وبسلامه واستقراره، وبقدرته على الاستفادة من كامل طاقاته البشرية، نساءً ورجالاً. وهذا ليس مفهوماً جديداً. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، كان لبنان من الدول المؤسسة التي شاركت في صياغة ميثاق الأمم المتحدة. ومنذ البداية، أكد الميثاق كرامة الإنسان والمساواة في الحقوق بين النساء والرجال، وربط هذه المبادئ بالسلام والتقدم الاجتماعي”.
أصافت: “للبنان أيضاً سجلّ مهم من التقدم في حقوق النساء ومشاركتهن، يشكّل رصيداً يمكن البناء عليه. فلبنان كان من بين الدول العربية السباقة في منح النساء حق التصويت والترشح، وراكم منذ ذلك الحين خطوات مهمة في توسيع حقوقهن وحضورهن في الحياة العامة. كما برزت نساء لبنانيات كسرن حواجز في السياسة والاقتصاد. وهذا الرصيد يوفّر أساساً قوياً لتوسيع مشاركتهن وتأثيرهن في المرحلة المقبلة. وفي السنوات الأخيرة، برز حضور أقوى للنساء في الحكومة وفي عدد من المؤسسات العامة، واعتمد لبنان الخطة الوطنية الثانية لتطبيق قرار مجلس الأمن 1325 حول المرأة والسلام والأمن، بما يعزز مشاركتهن في صنع القرار وبناء السلام وحمايتهن. كما أُدخلت إصلاحات مهمة، من تعزيز الحماية من العنف الأسري وتجريم التحرش الجنسي، إلى توسيع الاعتراف بأشكال العمل المرن والعمل عن بُعد، مع الحاجة إلى استكمال الأطر التطبيقية لضمان التنفيذ الفعّال”.
تابعت: “في مجال الحماية الاجتماعية، اتخذ لبنان خطوات مهمة، من بينها إطلاق الاستراتيجية الوطنية الأولى وتوسيع المساعدات الاجتماعية، وإقرار نظام تقاعد جديد للعاملين في القطاع الخاص. وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية خاصة للنساء، لأن آثار انقطاع العمل، والعمل غير النظامي، وأعباء الرعاية تتراكم عليهن مع مرور الوقت، وتنعكس مباشرة على دخلهن واستقرارهن الاقتصادي وحصولهن على الحماية الاجتماعية. هذه خطوات مهمة لكن فجوات أساسية لا تزال قائمة في المشاركة والفرص والحقوق، وقد عمّقتها الأزمات المتعاقبة، ولا سيما الأزمة الاقتصادية والنزاع، وكان أثرها أشد على النساء”.
وقالت: “سياسياً، لا يزال تمثيل النساء محدوداً. فهن يشغلن اليوم ثمانية مقاعد فقط من أصل 128 مقعداً في مجلس النواب. وعلى المستوى المحلي، ورغم أن انتخابات 2025 رفعت تمثيل النساء في المجالس البلدية، لم تتجاوز حصتهن نحو 10 في المئة من المقاعد”.
تابعت: “تبدأ بعض هذه العوائق قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع. فقد أظهرت دراسة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول ثمانية من أبرز الأحزاب السياسية في لبنان أن النساء يشكّلن نسبة مهمة من العضوية، لكن حضورهن يتراجع كلما اقتربنا من مواقع القيادة وصنع القرار. كما بيّنت أن اختيار المرشحين ما يزال، في كثير من الأحيان، يتم عبر دوائر ضيقة وآليات غير شفافة. والمشكلة لا تتعلق بالنساء وحدهن؛ فحين يبقى الاختيار محصوراً في الشبكات نفسها، تضيق قاعدة الكفاءات والخبرات التي تدخل الحياة السياسية، ويصبح تجددها وتنوعها أكثر صعوبة”.
أضافت: “اقتصادياً، لا تزال الفجوة واسعة. فمشاركة النساء في سوق العمل لا تتجاوز نحو 22 في المئة، وقد زادت الأزمات الأخيرة من هشاشة أوضاعهن في العمل. ولا تعكس هذه الفجوة صعوبة الأوضاع الاقتصادية وحدها، بل أيضاً لأن النساء يتحملن الحصة الأكبر من مسؤوليات الرعاية، من رعاية الأطفال إلى كبار السن، فيما لا تتجاوز إجازة الأمومة عشرة أسابيع فقط، وتبقى ترتيبات العمل الداعمة للأسرة محدودة”.
وقالت: “لا تزال نصوص في التشريعات اللبنانية تتعارض مع مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات الذي يكرّسه الدستور، ومع التزامات لبنان في الاتفاقيات الدولية لحقوق النساء، وفي مقدمتها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. فالمرأة اللبنانية لا تتمتع بالحق نفسه الذي يتمتع به الرجل في نقل الجنسية إلى أبنائها وزوجها الأجنبي، وهو مطلب قديم للحركة النسائية والحقوقية في لبنان. كما تكرّس أنظمة الأحوال الشخصية تفاوتاً في الحقوق في الزواج والطلاق والحضانة، بما ينعكس أيضاً على الأطفال واستقرارهم الأسري. ولا يزال لبنان من دون سن مدني موحّد للزواج عند الثامنة عشرة، ما يعرّض الفتيات بصورة خاصة لمخاطر أكبر من العنف، والانقطاع عن التعليم، والحمل المبكر. تضاف إلى ذلك أعراف اجتماعية وممارسات مؤسسية وإدارية ما تزال تقيّد تكافؤ الفرص، وتحدّ من وصول النساء المتكافئ إلى بعض الوظائف والفرص المهنية. وتظهر حصيلة هذه الفجوات بوضوح في المؤشرات الدولية. ففي عام 2026، حلّ لبنان في المرتبة 128 من أصل 145 اقتصاداً على مؤشر المنتدى الاقتصادي العالمي للفجوة بين الجنسين، الذي يقيس التفاوت في الاقتصاد والتعليم والصحة والتمكين السياسي. من هنا، تصبح الأولوية هي تحويل ما يكرّسه الدستور وما التزم به لبنان دولياً من مبادئ المساواة وعدم التمييز إلى واقع ملموس في حياة النساء. ويشمل ذلك، في صميمه، مشاركتهن في صنع القرار. فالنساء كنّ، وما زلن، في صميم الاستجابة للأزمات ودعم أسرهن ومجتمعاتهن، لكن حضورهن لا يزال أقل حيث تُصاغ الخيارات وتُتخذ القرارات”.
ورأت أنه “من المهم أن تشارك النساء بشكل كامل في مسارات الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار، وأن تعكس السياسات والخطط احتياجاتهن وأولوياتهن. ويعني ذلك، عملياً، ضمان وصول النساء الأكثر تأثراً بالأزمة إلى الدعم والحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، وإلى فرص العمل اللائق والمشاريع والأسواق وسلاسل القيمة، مع معالجة العوائق التي تحدّ من مشاركتهن”. ولفتت إلى أنه “في مرحلة يسعى فيها لبنان إلى ترسيخ السلام وتقوية مؤسساته، لا تتعلق مشاركة النساء بالتمثيل أو الإنصاف فحسب، بل بجودة القرار واتساع شرعيته، وبالقدرة على الاستفادة من أوسع قاعدة من الخبرات والكفاءات ، لذلك فهي عنصر أساسي في تعافٍ أكثر استدامة واستقراراً للبنان ككل. إنها مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الوطنية ومجلس النواب والأحزاب، والقطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام، وبين النساء والرجال معاً بالشراكة مع المجتمع الدولي”.
ختمت: “في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، نضع خبرتنا الدولية وشراكاتنا وأدلتنا في خدمة الأولويات الوطنية، ونساعد على تحويل الالتزامات إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج، وربط أصوات النساء بالمساحات التي تُصاغ فيها القرارات. أود أن أعبّر عن تقديري العميق للنساء في مختلف أنحاء لبنان، ولكل من أسهم في دفع الإصلاحات وإبقاء قضية المساواة والحقوق حاضرة في النقاش العام. في لبنان، النساء بالفعل في الصفوف الأمامية. والمرحلة المقبلة تستدعي أن يواكب هذا الحضور دورٌ مماثل حيث تُصاغ الخيارات وتُتخذ القرارات وفي هيئة الأمم المتحدة للمرأة، سنواصل العمل إلى جانب لبنان وشركائنا لدعم هذا المسار”.
سلام
تحدث سلام وقال:” ليس عدلا أن تكون النساء في الصفوف الأولى حين تقع الأزمات، وفي الصفوف الأخيرة حين تتخذ القرارات التي ترسم ما بعدها. هذا، في رأيي، هو التحدي الذي يضعه أمامنا، عاما بعد عام، مؤتمر “نساء على خطوط المواجهة”. فالسؤال ليس إن كانت النساء قادرات على المواجهة. لقد أثبتن ذلك مرات لا تحصى. السؤال هو: هل نفتح أمامهن الطريق من خطوط المواجهة إلى مواقع المسؤولية؟ وهل نغير السياسات والممارسات التي تجعل منهن أول من يتحمل الأعباء، وآخر من يحصل على الفرص؟ أشكر مؤسسة مي شدياق على تنظيم هذا اللقاء، بالشراكة مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وأحيي جميع الشركاء والمشاركين. وأقدر خصوصا أن محاور المؤتمر لا تحصر النقاش فيما درجنا على تسميته قضايا المرأة، بل تضع النساء في قلب القضايا التي تحدد مصير لبنان: إعادة الإعمار، والسلم والسيادة، والنهوض الاقتصادي، والتكنولوجيا، والإعلام. وهذا هو المكان الطبيعي لهذا النقاش. فحقوق النساء ليست ملفا منفصلا عن مشروع بناء الدولة. إنها أحد المعايير الأساسية التي نعرف بها أي دولة نبني”.
أضاف: “مر لبنان بسنوات أثقلت حياة اللبنانيين جميعا، لكن الأزمات لا توزع كلفتها بالتساوي، فحين تهجر عائلة، كثيرا ما تجد المرأة نفسها مسؤولة عن تأمين الحاجات اليومية، وعن رعاية الأطفال وكبار السن، وعن استمرار الحياة في ظروف فقدت فيها أبسط مقوماتها. وحين تتراجع الخدمات، أو تضيق فرص العمل، تضيق معها خيارات نساء كثيرات، ولا سيما الأكثر فقرا والأقل حماية. لا أقول هذا لنضيف إلى صورة المرأة صورة جديدة من التضحية والبطولة. لقد بالغنا طويلا في مطالبة الناس بالصمود. ومن واجب الدولة أن تضمن للمرأة ألا تحتاج إلى بطولة يومية كي تؤمن لأطفالها مدرسة، أو لعائلتها رعاية صحية، أو لنفسها عملا كريما أو حماية من العنف. مثلا، حين نتحدث عن إعادة الإعمار، لا يجوز أن نختزلها في الإسمنت والطرق والجدران. فإعمار الوطن هو أيضا إعادة الأسر إلى بيوتها بأمان وكرامة، وإعادة الأولاد إلى مدارسهم، وإعادة الخدمات إلى القرى، وإيجاد فرص العمل، واستعادة الثقة بأن الدولة لا تترك مواطنيها وحدهم. فليس من المنطق أن نخطط لمستقبل حياة العائلات من دون أن نصغي إلى من يعرفن تفاصيل تلك الحياة، وإلى احتياجات المجتمعات التي نريد إعادة النهوض بها”.
تابع: “أريد أن أكون واضحا: الشراكة الدولية أساسية، ونحن نثمن كل دعم صادق للبنان. لكن المسؤولية الأولى تقع علينا جميعا، مجتمعا ودولة. فالشركاء يستطيعون أن يساعدوا، ويبقى علينا أن نحدد الأولويات، وأن نضمن الشفافية والمساءلة، وأن نجعل التعافي فرصة لتصحيح الاختلالات، لا لإعادة إنتاجها. ومن الإعمار نصل إلى سؤال لا يمكن القفز فوقه: أي تعاف نريد، وكيف نؤمنه؟
فالتعافي لا ينفصل عن الاستقرار، والاستقرار الحقيقي هو أن يشعر الناس بالأمان، وأن يستطيعوا التخطيط للغد من دون خوف. وهذا لا يتحقق من دون أن تبسط الدولة سلطتها على كامل أراضيها، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد مؤسساتها الدستورية وحدها، وأن تحمي حقوق مواطنيها من دون استثناء. في هذا المسار، لا يجوز أن نختزل دور النساء في معالجة نتائج النزاعات. فليس كافيا أن تسمع أصوات النساء بعد وقوع الضرر. ينبغي أن تسمع قبل اتخاذ القرار الذي قد يمنع الضرر أصلا. صحيح أنه لا تعافي وطنيا من دون تعاف اقتصادي. ولكن لا اقتصاد يستعيد عافيته فعلا فيما تهدر طاقات نصف المجتمع. لدينا نساء مؤهلات، رائدات أعمال، عاملات، ومبدعات. لكن الموهبة وحدها لا تكفي حين تعترضها حواجز في الوصول إلى فرص العمل، أو التمويل أو المواقع القيادية. وعندما تبقى أعباء الرعاية الأسرية موزعة بصورة غير عادلة، تصبح الفرص المتساوية مجرد شعار”.
أضاف: “نحتاج إلى اقتصاد يجعل مشاركة النساء خيارا فعليا: فرص عمل حقيقية، وحماية من التمييز والتحرش، وخدمات تساعد الأسر على التوفيق بين العمل والرعاية، ووصولا أكثر عدلا إلى التدريب والتمويل والتكنولوجيا. فنحن لا نريد أن نكتفي بالتصفيق لامرأة نجحت رغم كل العوائق. بل نريد إزالة العوائق حتى لا يبقى نجاح المرأة استثناء يحتفى به. وإذا انتقلنا إلى العالم الرقمي، وجدنا أن السؤال نفسه يعود في شكل جديد: من يملك الفرصة، ومن يتحمل المخاطر؟ الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا واسعة في التعليم والعمل والطب والخدمات العامة وغيرها. لكنه قد يعمق أيضا أوجه التفاوت والتحيز، وقد يعرض الناس، ولا سيما النساء والفتيات والأولاد، لأشكال جديدة من الأذى وانتهاك الخصوصية. ولا يمكن أن نترك قواعد هذا العالم تتشكل وحدها، أو أن نقبل بأن تقدم لنا التكنولوجيا وكأنها محايدة بحكم تعريفها. مستقبلنا الرقمي لا يقاس فقط بزيادة عدد من يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي، بل بالمشاركة في تطويرها، والتأثير في القواعد التي تنظمها. نريد للفتيات أن يكن شريكات في هذا المستقبل، لا مجرد مستخدمات له. وهنا أيضا تبرز مسؤولية الإعلام. ففي زمن يستطيع فيه خبر كاذب أن ينتشر أسرع من تصحيحه، يصبح الدفاع عن الحقيقة جزءا من الدفاع عن المجتمع. والتضليل لا يهدد سمعة أشخاص فحسب؛ إنه يقوض الثقة العامة، ويشوه النقاش، وقد يحرض على الكراهية والعنف. والنساء، ولا سيما اللواتي يخضن الحياة العامة، يتعرضن في كثير من الأحيان لحملات تستهدف ترهيبهن لا مناقشة أفكارهن”.
وقال: “الجواب ليس بتقييد حرية التعبير، بل بالمحاسبة على التحريض ومكافحة خطاب التمييز والكراهية. إن مجتمعا يعجز فيه الناس عن التمييز بين الحقيقة والتلفيق، يصعب فيه اتخاذ قرارات حرة. من السهل أن نتفق اليوم على أن مشاركة النساء ضرورة. لكن الأصعب هو أن نترجم هذا الاتفاق إلى واقع ملموس. فالمساواة لا تتحقق بخطابات أو شعارات، ولا بصور تجمع النساء حول طاولة، بل بقوانين عادلة، ومؤسسات تنفذها، وفرص حقيقية للمشاركة في صنع السياسات، في الإدارة العامة، والاقتصاد، والقضاء، والحياة السياسية”.
ختم: “حين تصبح الدولة أكثر عدلا للنساء، تصبح أكثر عدلا للمجتمع كله. وحين تتسع دائرة المشاركة، تتسع معها قدرة البلاد على ابتكار الحلول الناجحة. باختصار، نحتاج إلى شراكة فعلية بين الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والجامعات والشركاء الدوليين. لا أريد أن نظل نصفق للنساء لأنهن يحتملن ما لا ينبغي لأحد أن يحتمله. أريد أن نبني بلدا يضمن لهن، وللجميع، حقوقا لا تحتاج إلى بطولة للدفاع عنها. ليس المطلوب أن تبقى النساء على خطوط المواجهة إلى الأبد. المطلوب أن تصبح الدولة نفسها خط الدفاع الأول عن كرامة الناس وأمنهم وحقوقهم. هذا هو معنى النهوض الذي نعمل من أجله. وهذا هو لبنان الذي يستحقه جميع أبنائه وبناته”.




