أخبار عاجلة
الخوف من تجدد الحرب يرفع الطلب على المنازل -
لبنان على خارطة الجوع العالمية -
“فجر اليمن”.. لفكّ صنعاء من أسر طهران -
غوغل تطلق نموذجاً جديداً للمهام الأكثر تعقيداً -
الحكومة “خفّضت” التصعيد بدلًا من البنزين -
حين يعود “الحزب” إلى الكلام -
السلاح قبل تعديل قانون الانتخاب؟ -
ترامب: حرب إيران ستنتهي قريبًا والأسعار ستتراجع -
“داعش” يظهر مجددًا في العراق.. ويقتل شرطيًا! -

حين يعود “الحزب” إلى الكلام

حين يعود “الحزب” إلى الكلام
حين يعود “الحزب” إلى الكلام

كتبت جوسلين البستاني في “نداء الوطن”:

بعد أشهر من الصمت النسبي، بدأت أصوات من داخل “حزب الله” تعود إلى الواجهة. نواف الموسوي يظهر مجددًا في مقابلات وتصريحات، وجواد نصرالله يتحدث أمام الكاميرا عن والده والمرحلة التي سبقت مقتله، فيما تعود شخصيات أخرى إلى النقاش العام.

قد تبدو المسألة، للوهلة الأولى، مجرد عودة إعلامية. لكن التوقيت وتعدد الأصوات يكشفان ما هو أبعد من ذلك. فـ”حزب الله” لا يحاول فقط أن يكون حاضرًا على الشاشات، بل يواجه سؤالا أكثر صعوبة: كيف يفسر ما جرى، وكيف يقنع اللبنانيين بأن تفسيره لما جرى لا يزال قادرًا على الصمود؟

منذ مقتل حسن نصرالله في أيلول 2024، لم يخسر “حزب الله” أمينه العام فحسب. لقد خسر أيضًا الصوت الذي كان يؤدي وظيفة تتجاوز القيادة السياسية والتنظيمية. كان نصرالله يفسّر الأحداث، يمنحها معناها، ويربطها ضمن رواية متماسكة، يستطيع جمهوره وخصومه على حدّ سواء أن يفهموا من خلالها موقفه.

كان، عمليًّا، المفسر الرئيسي للواقع السياسي الذي تقدمه مجموعته، ولذلك كان غيابه مشكلة اتصالية بقدر ما كان صدمة سياسية وتنظيمية.

جاء نعيم قاسم لتأمين استمرارية القيادة والرواية. وقد ظهر في أيلول 2026 في خطاب علني بمناسبة الذكرى الثانية لمقتل نصرالله، مجددًا مواقفه من المقاومة والسلاح والعلاقة مع الدولة اللبنانية. لكن استمرارية القيادة لا تعني بالضرورة استعادة القدرة السابقة على تفسير الواقع.

وهنا تكمن المشكلة. فالصوت الرسمي للمجموعة بقي موجودًا، لكن المرحلة الجديدة فرضت تعددًا أكبر في الأصوات والأدوار. صوت للقيادة، وآخر للذاكرة، وثالث للسجال السياسي، إلى جانب منظومة إعلامية ومنصات تعمل على إعادة نشر الرسائل وتوسيع نطاق وصولها.

تظهر هذه الوظائف بوضوح في عودة نواف الموسوي إلى الواجهة. فهو لا يظهر فقط بصفته مسؤولا في “حزب الله” أو نائبًا سابقًا، بل يدخل مباشرة في السجالات السياسية اللبنانية. وفي أيلول 2026، عاد إلى الواجهة من خلال ردّ حاد على جبران باسيل، في مواجهة عكست حجم التوتر بين مجموعته و”التيار الوطني الحر” بعد سنوات من التحالف.

أما جواد نصرالله، فوظيفته مختلفة. فهو لا يشغل موقعًا قياديًا رسميًا في “حزب الله”، لكن ظهوره يحمل قيمة رمزية باعتباره نجل الأمين العام السابق وحاملا لذاكرة شخصية عن المرحلة الأخيرة من حياة والده. وتحدث في مقابلات خلال 2025 عن الأيام الأخيرة لنصرالله، وعن الحرب والضربة التي أدت إلى مقتله. المهم هنا ليس الأشخاص بحد ذاتهم، بل ما يكشفه تعدد الأدوار.

فنحن لا نشاهد بالضرورة عودة “صوت حزب الله” الواحد كما كان في عهد نصرالله، بل محاولة للتعامل مع مرحلة لم يعد فيها صوت واحد قادرًا على تغطية كل الأسئلة التي يطرحها الواقع اللبناني. وهذا يقود إلى المسألة الأهم: هل لا تزال هذه المجموعة قادرة على التأثير في الطريقة التي يفهم بها اللبنانيون الأحداث؟

من زاوية الحرب الإدراكية، المسألة ليست فقط: هل يصدق اللبناني رواية “حزب الله” أم لا؟ السؤال الأعمق هو: من يملك القدرة على تفسير ما حدث، ومن يستطيع أن يحدد معنى ما يحدث؟

بعد الخسائر العسكرية والسياسية التي تعرض لها “حزب الله”، أصبحت الأسئلة أكثر صعوبة. ماذا تعني هذه الخسائر بالنسبة إلى الردع؟ كيف تُفسَّر المرحلة السابقة؟ وهل ما جرى تراجع موقت أم تحوّل أعمق في موقع “حزب الله” داخل لبنان؟ ومن يملك حق تفسير هذه التحولات؟ في السابق، كان قادة هذه المجموعة أكثر قدرة على تقديم إجابات من موقع القوة وضمن رواية متماسكة. أما اليوم، فقد أصبحت هذه الإجابات نفسها موضع نقاش ومنافسة.

وهنا تصبح العودة إلى الكلام مفهومة. فالصمت لا يترك فراغًا إعلاميًا فقط. إنه يترك فراغًا في تفسير الأحداث أيضًا. وفي بيئة سياسية متغيرة، لا يبقى هذا الفراغ فارغًا طويلا. تتقدم إليه روايات الخصوم والمنافسين، وتظهر قراءات جديدة لما جرى، وتبدأ مسلمات الأمس بفقدان قدرتها السابقة على تنظيم النقاش.

لذلك، قد يكون السؤال الأهم ليس: لماذا عاد “حزب الله” إلى الكلام؟ بل: لماذا أصبح الصمت أكثر كلفة من الظهور؟ لأن لبنان الذي يعود إليه “حزب الله” إعلاميًا ليس هو لبنان الذي كان يتحدث إليه نصرالله قبل سنوات. تغيرت موازين القوة، وتغيرت علاقته بالدولة، وتبدلت علاقاته بالقوى السياسية الأخرى، كما تغيرت الأسئلة التي يطرحها جزء من الرأي العام على قادته وعلى المرحلة السابقة. وفي مثل هذا السياق، لا يكفي أن يتحدثوا أكثر. عليهم أن يفسروا واقعًا جديدًا، في وقت لم تعد فيه روايتهم قادرة بالسهولة نفسها على احتواء كل ما يحدث.

لكن بالنسبة إلى اللبناني، لا تكمن أهمية هذه العودة في أن “حزب الله” عاد إلى الكلام، بل في السؤال عما إذا كان كلامه لا يزال قادرًا على إنتاج المعنى الذي كان ينتجه في السابق او هل استعاد “السلطة التفسيرية”؟

فكثرة الأصوات لا تعني بالضرورة استعادة النفوذ. وعودة الظهور الإعلامي لا تعني استعادة القدرة على فرض تفسير واحد للأحداث. بل قد تكون، في جانب منها، دليلا على أن الرواية التي كانت تبدو في السابق مكتفية بذاتها أصبحت مضطرة إلى الدفاع عن نفسها أمام روايات أخرى، وأسئلة أكثر إلحاحًا، وجمهور أكثر تشككًا.

وهنا تكمن النقطة الأهم في التحول. فالمسألة لم تعد ما إذا كان “حزب الله” يستطيع أن يتحدث، بل ما إذا كان اللبنانيون ما زالوا يمنحون كلامه القدرة نفسها على تفسير الواقع وتحديد معناه. لقد تغيّر المشهد الذي كان يسمح لتلك المجموعة بأن تحتكر، أو تكاد، تفسير الحرب والمقاومة والردع والتهديد. ومع تغير موازين القوة، تصبح الرواية نفسها موضع مساءلة: ماذا حدث؟ ماذا بقي من قدرة الردع؟ وما الذي تعنيه الخسائر التي تعرض لها “حزب الله” بالنسبة إلى موقعه داخل الدولة والمجتمع؟ لذلك، فإن عودة “حزب الله” إلى الكلام لا ينبغي قراءتها بوصفها استعادة تلقائية “للسلطة التفسيرية”، بل بوصفها محاولة لاحتواء تراجعها. والفارق جوهري. فحين تصبح الرواية مطالبة باستمرار بإثبات قدرتها على تفسير الواقع، تكون قد انتقلت من موقع فرض المعنى إلى موقع التنافس عليه. بالنسبة إلى اللبناني، هذه هي المسألة الحقيقية: ليس من يتحدث أكثر، بل من يستطيع أن يقنعه بأن تفسيره لما حدث وما يحدث هو التفسير الذي يستحق أن يُؤخذ على محمل الجد. وفي هذا المعنى، فإن المعركة لم تعد على احتكار الرواية، بل على ما تبقى من قدرتها على الإقناع.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إليكم مقررات مجلس الوزراء؟
التالى النفايات تحاصر طرابلس… أزمة تتدحرج نحو الانفجار