كتب ريشار حرفوش في “نداء الوطن”:
تتوسع التحقيقات الأمنية في ملف عدد من محال “ناولني” في كسروان وجبيل، وسط شبهات تتعلق بتجارة المخدرات وتسهيل أعمال الدعارة وارتباط بعضها بملفات جنائية، بحيث تتحرك الأجهزة الأمنية والبلديات المعنية لتشديد الرقابة على هذه المؤسسات، في وقت تطرح فيه المعطيات المتوافرة أسئلة حول طبيعة الأنشطة التي تمارس داخل بعضها، وآليات الترخيص والرقابة عليها.
وبحسب معلومات “نداء الوطن”، أوقفت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني خلال الشهر الماضي صاحب أحد محال الـ”ناولني” في منطقة صربا، بعدما ضبطت داخل شقته كمية كبيرة من حبوب “الكبتاغون” قدرت بنحو مليون ومئتي ألف حبة، والمحل يقع على مسافة قصيرة من مدخل ثكنة تابعة للجيش اللبناني، بحيث تم اقفاله وختم المحل بالشمع الأحمر بانتظار مجريات التحقيقات بإشارة القضاء المختص الذي وعد بعدم التساهل في القضية.
وأظهرت التحقيقات، وفق المعلومات، أن الموقوف كان يستخدم المحل لترويج حبوب مخدرة لبعض الزبائن الـ”Special”، ما أدى إلى إقفاله وتوقيف صاحبه.
وفي المعاملتين، أقفل الأمن العام أحد المحال للاشتباه في استخدامه لتأمين فتيات لأعمال دعارة وبيع مواد مخدرة، إلا أن المحل أعيد فتحه لاحقًا بقرار من النيابة العامة في جبل لبنان، ما أثار استغراب جهات أمنية ومحلية، وأبقى المحل، إلى جانب مؤسسات مشابهة، تحت المراقبة.
وتتابع قوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع بلدية جونية، عددًا من هذه المحال، في ظل شبهات بأن بعضها تجاوز النشاط التجاري المعلن إلى أنشطة غير قانونية، خصوصًا أن الأغلبية الساحقة من هذه المحلات تفتح 24/24 مع عدد كبير من الموظفين وتبيع المواد الغذائية والمشروبات الروحية بنفس أسعار السوق اللبناني.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تحقيق في جريمة قتل رجل وزوجته في جونية، إذ أظهرت إفادات موقوفين من أفراد عصابة متهمة بالجريمة، بحسب المعلومات، أنهم ينشطون أيضًا في مجال الدعارة وتأمين فتيات للزبائن، عبر آلية تشبه خدمة الـ”Drive true”، وأفادت التحقيقات بأن عمليات التسليم واللقاء كانت تتم عبر أكثر من محل من محال الـ”ناولني” في المنطقة الممتدة على الساحل اللبناني وتحديدًا بين كسروان وجبيل.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر أمنية متابعة لـ”نداء الوطن” أن “الأجهزة الأمنية المختصة تراقب حركة بعض الأشخاص المتهمين بتسهيل الدعارة وبيع المخدرات في المنطقة وهي في صدد توقيف شبكات جديدة في الأسابيع المقبلة”.
وإذ لفتت المصادر أن “بعض محلات الـ”ناولني” كانت مراكزًا لتوزيع بعض المواد المخدرة وستتم المداهمات في الوقت المناسب”.
وعلى ضوء هذه المعطيات، أطلق عدد من البلديات حملات لضبط أوضاع هذه المؤسسات، وإقفال البعض منها غير المرخص أو المخالف للشروط القانونية، والتدقيق في طبيعة النشاط الذي تمارسه فعليًا.
كما دخلت وزارة الداخلية والبلديات على خط الملف بحسب ما جزمت المصادر لـ”نداء الوطن”، طالبةً من البلديات الساحلية تشديد الرقابة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مع الاستعداد لتأمين المؤازرة الأمنية عند الحاجة.
وطلبت الوزارة إرسال لائحة بالمحلات المشبوهة وترقب الأعمال المشبوهة.
وفي موازاة المسار الأمني، جزمت مصادر وزارية متابعة بأن المسؤولية الأساسية في ما يتعلق بترخيص هذه المؤسسات ومراقبة نشاطها المحلي تعود إلى السلطات الإدارية والمحلية المعنية، من محافظين وقائمقام وبلديات، باعتبارها المرجع المباشر في منح بعض التراخيص ومراقبة حسن تطبيق الشروط المفروضة على المؤسسات الواقعة ضمن نطاقها.
وأوضحت المصادر أن البلديات، من خلال الشرطة البلدية وبالتنسيق مع القائمقام والمحافظين، مطالبة بمتابعة أوضاع هذه المحال، من حيث الترخيص، شروط السلامة، النظافة، طبيعة المبيعات، الالتزام بالشروط التقنية، وأي مخالفات أخرى يمكن تسجيلها، على أن يتم طلب مؤازرة القوى الأمنية عند الحاجة أو عند وجود شبهات تتجاوز الإطار الإداري والتجاري إلى أفعال جرمية.
وبحسب المصادر نفسها، فإن طبيعة عمل بعض هذه المحال، التي تفتح أبوابها على مدار الساعة ليلًا ونهارًا وحتى ساعات الفجر، تفرض رقابة أمنية أكثر فعالية وعمليات تفتيش مفاجئة للتأكد من طبيعة ما يباع داخلها ومن عدم استخدام النشاط التجاري الظاهر لتغطية نشاط آخر غير قانوني.
وفي حال تسجيل حالات تسمم غذائي أو ورود شكاوى مرتبطة بسلامة المواد الغذائية أو المشروبات المعروضة للبيع، يصبح لوزارة الصحة العامة دور مباشر في المتابعة، من خلال الكشف وأخذ العينات وإجراء الفحوصات المخبرية اللازمة، سواء للمواد الموجودة داخل المحال أو للمنتجات موضوع الشكوى.
أما في حال ورود شكاوى مرتبطة بالأسعار أو الغش أو حقوق المستهلك، فيمكن لوزارة الاقتصاد والتجارة التحرك عبر مصلحة حماية المستهلك، ضمن الصلاحيات الممنوحة لها.
وتلفت المصادر الوزارية لـ”نداء الوطن” أيضًا إلى وجود فئة أخرى من هذه المحال تعمل بصورة متنقلة ومن دون نقطة بيع ثابتة، وهي عبارة عن شاحنات صغيرة أو Vans أو عربات متنقلة تنتشر على جوانب الطرقات وأحيانًا بالقرب من الجامعات والمدارس، وتبيع القهوة والمشروبات الروحية والدخان والتبغ والتنباك وغيرها من السلع.
وتؤكد المصادر أن بيع بعض هذه المنتجات يحتاج إلى تراخيص وشروط قانونية محددة من الجهات المختصة، في حين أن عددًا من هذه النقاط المتنقلة لا يستوفي هذه المتطلبات، ما يدفع أصحابها إلى تغيير مواقعها باستمرار وعدم اعتماد نقطة تجارية ثابتة يمكن إخضاعها بسهولة لرقابة البلدية أو السلطات المختصة.
وعلى خط مواز، لم يعد انتشار محال الـ”ناولني” ظاهرة محدودة في منطقة واحدة أو على طريق معينة، بل بات مشهدًا متكررًا على امتداد عدد كبير من الطرقات الدولية والفرعية، وفي مداخل المدن والبلدات وعند التقاطعات الرئيسية.
هذا الانتشار العشوائي يطرح بدوره إشكالية تتعلق بالسلامة المرورية، خصوصًا عندما تتمركز بعض هذه النقاط على جوانب طرق ضيقة أو في أماكن لا تسمح بتوقف السيارات من دون إعاقة حركة السير، ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى ازدحامات واختناقات مرورية، ويزيد من مخاطر الحوادث.
وتزداد الإشكالية مع بيع الدخان والمشروبات الروحية والمأكولات والمشروبات لسائقي السيارات مباشرة، لأن توقف المركبات بصورة مفاجئة أو تناول الطعام والشراب أثناء القيادة يمكن أن يشكل عنصر تشتيت للسائق، فيما يزداد الخطر بصورة أكبر عند الحديث عن بيع المشروبات الروحية التي قد يتم استهلاكها خلال التنقل.
ومن هنا، يصبح الخطر ذا وجهين، الأول مرتبط بمكان انتشار هذه المحال وطريقة توقف السيارات أمامها وتأثير ذلك على حركة المرور، والثاني مرتبط بطبيعة بعض المنتجات التي تباع وإمكانية استهلاكها أثناء القيادة، بما ينعكس على السلامة العامة.
ولا يعني ذلك، بحسب مصادر متابعة، أن المطلوب قطع أرزاق أصحاب هذه المحال أو إقفال كل المؤسسات التي تعمل ضمن هذا النموذج، خصوصًا أن بعضها يشكل مصدر دخل أساسي لأصحابه والعاملين فيه، بلّ إن المطلوب هو تنظيم القطاع بصورة أوضح، تحديد شروط الترخيص، ضبط أماكن الانتشار، مراقبة طبيعة المنتجات المباعة، وفرض رقابة فعلية تمنع تحول أي محل تجاري إلى غطاء لنشاط غير قانوني.
وبذلك، لم يعد الملف مقتصرًا على مخالفات إدارية أو تجارية، بل أصبح متشابكًا بين صلاحيات البلديات والقائمقام والمحافظين، ودور القوى الأمنية والوزارات ما يفرض تنسيقًا واضحًا بين جميع الجهات المعنية من دون تقاذف للمسؤوليات.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات القائمة عن حجم الشبكات والجهات المتورطة، يبقى المطلوب الفصل بين المؤسسات التي تعمل بصورة قانونية وتؤمن مصدر رزق مشروعًا لأصحابها، وبين تلك التي تستغل هذا النوع من النشاط غطاءً لبيع المخدرات أو تسهيل الدعارة أو أي أعمال جرمية أخرى، مع فرض رقابة موحدة تمنع تحول ظاهرة الـ”ناولني” إلى مساحة خارجة عن سلطة القانون.




