كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
“ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين” سورة آل عمران الآية 54.
ثمة حالة من الترقب لمفاعيل تقرير المستشار المقرر مجلس شورى الدولة في الطعن المقدم بتمديد سن مفتي الجمهورية إلى 76 سنة، ومفتي المناطق إلى 72 سنة، والذي بإمكان الممثلين القانونيين للخصوم في الطعن تبلغه اليوم. وإزاء اللغط المفتعل حول تبلغ مفتي الجمهورية، تكشف مصادر دينية عن تسريب التقرير إلى المفتي منذ أسبوع من خلال نفوذ مرجع إداري رفيع في الرئاسة الثالثة، وأن بعض المقربين منه يتداولون القرار وصورًا منه منذ أيام. وحسب الأصول المتبعة، يمنح الخصوم مهلة شهر واحد لتقديم الملاحظات المادية، إن وجدت.
وفي مؤشر آخر على معرفة قوى سياسية بتقرير شورى الدولة واتجاهاته، ازدحمت الأيام القليلة الماضية بالمناورات التي تجتمع على إظهار تمسك المفتي بالبقاء في موقعه. وعلى عكس الصورة السائدة في المخيال الجمعي عنه، فإن دريان يدرك مصالح ومرامي رؤساء الحكومات السابقين، ويعمل على توظيف نفوذها وتناقضاتها ضمن سيناريوهات تتلاقى عند هدف استمرارية سلطته، لكن هامش المناورة يضيق أمامه باضطراد.
السيناريو الأول، رفض الإذعان لقرار شورى الدولة بحجة خصوصية المؤسسات الدينية، وأن المحاكم المدنية لا ولاية لها على قراراتها، وتشير مصادر دينية إلى أن المرجع الإداري الرفيع نفسه الذي سرّب القرار للمفتي يعكف على إعداد مطالعة تنهل من الثغرات القانونية لتسويغ الرفض. غير أن هذه الحجة تسقطها حقيقة أن المشروعية نفسها التي وصل دريان على أساسها إلى موقعه هي قرارات شورى الدولة، كما أنه كان شريكًا مع أمين عام المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، خلدون عريمط، في إعداد الطعون التي قدمت ضد قرارات المفتي سلفه. ومن أتى بقرارات شورى الدولة يخرج بها.
أما السيناريو الثاني، فهو استخدام فزاعة حلول أمين الفتوى أمين الكردي مكانه لإطالة أمد بقائه. إلا أن ثمة مشروعًا يعمل عدد من قضاة الشرع على بلورته، يقضي بتعيين قائم بمقام مفتي الجمهورية لفترة موقتة، ليس لمواجهة الهواجس إزاء “الإخوان”، إنما لاتخاذ قرارات إصلاحية تخفف من سلطات مفتي الجمهورية، وتحدّ من قدرة أي مفتٍ مستقبلًا على الهيمنة.
وعلى أنقاض هذا المشروع صيغ السيناريو الثالث من خلال استثمار إصرار رؤساء الحكومات السابقين على أن يكون كل منهم عراب المفتي الجديد، حيث صاغ دريان بالشراكة مع الرئيس نجيب ميقاتي، وبالسر عن شريكه السنيورة، مبادرة تقضي بتسويق اسم رئيس المحاكم الشرعية محمد عساف كقائم مقام المفتي، والعمل على إقناع الأطراف المعنية، ورئيس الحكومة نواف سلام، بأنه المخرج الوحيد المتاح، وأن المفتي الحالي لن ينسحب إلا لعساف. هذا السيناريو جرى كشفه وتفجيره بسرعة، خصوصًا أن عساف هو أحد المهندسين الرئيسيين للتمديد الذي سيبطله شورى الدولة، بما يجعل انتقال السلطة إليه أقرب إلى استمرار عهد دريان بواجهة أخرى.
بيد أن السيناريو الذي لا يلقي له المفتي الحالي بالا هو أن إصراره على البقاء بعد قرار شورى الدولة سيدفع نحو التقدم بطعون تشمل تواقيعه وكل القرارات التي اتخذها منذ التمديد، وصولا إلى ملاحقته بتهمة “اغتصاب السلطة”، مع ما لذلك من تبعات على صورة دار الفتوى وتأثيرها. الأسوأ هو اعتماد المفتي في الدفاع عنه على أصوات من الجماعة الإسلامية، وهو المتهم من قبل أطراف خارجية بتسهيل تغلغلهم في دار الفتوى، إلى جانب أصوات تنتمي لـ”تيار المستقبل” بما يسهم في ترسيخ صورة بأنه “مفتي الحريري”.
عمومًا، يرتكز قرار شورى الدولة المزمع صدوره على اجتهادات مستقرة في هذه المسألة تظهر في مراجعة المفتي محمد رشيد قباني ضد نائب رئيس المجلس الشرعي الأعلى عمر مسقاوي رقم 544 – 2014. وتكمن أهمية القرار في أنه يوجه رسالتين: الأولى، وضع حد لقدرة رؤساء الطوائف على الاستبداد برعيتهم. والثانية للمرجعيات الدينية والسياسية السنية بأن زمن “تنييم الملفات” قد ولى.




