كتب منير الربيع في “المدن”:
يتصاعد التوتر الإسرائيلي التركي. ترفع تل أبيب من وتيرة عملياتها واعتداءاتها على سوريا. لا يريد بنيامين نتنياهو خوض الانتخابات إلا على حرب، وهو يسعى إما لتجديد الحرب على إيران، أو توسيع الحرب في لبنان، أو الذهاب إلى مواجهة مع تركيا في سوريا. كل السياقات والمؤشرات تفيد بذلك، حتى أن التصريحات الإسرائيلية تبدو واضحة بشأن الهجوم على أنقرة ووضع خطوط حُمرٍ لها ولدمشق.
دوافع التوتر التركي الإسرائيلي
كثيرة هي أسباب التوتر التركي الإسرائيلي، بعضها يرتبط باتساع نفوذ تركيا في المنطقة، وهي التي تعلن صراحة تصديها لمشروع إسرائيل، كما أنها تحاول أن تستند على علاقتها القوية بالولايات المتحدة الأميركية، وتوسع نفوذها من القوقاز، إلى المشرق العربي وصولاً إلى أفريقيا، كما تعزز من علاقاتها التحالفية مع دول المنطقة.
من بين أسباب التوتر أيضاً، هو ما تعتبره إسرائيل رفضاً تركياً لإسقاط النظام الإيراني واعتماد مبدأ احتواء إيران، والقناعة التركية بأنه في حال نجحت إسرائيل بتحقيق أهدافها ضد إيران، وبحال نجحت بضرب حزب الله، فإن التركيز الإسرائيلي سينتقل إلى تطويق تركيا ومهاجمتها ليس سياسياً فقط، بل عبر تقويض نفوذها في المنطقة وتوجيه ضربات عسكرية لحلفاء أنقرة، وربما اللجوء إلى توجيه ضربات أمنية ضدها. جزء من هذه الضغوط والضربات هدفها إبعاد تركيا عن إيران، ودفع أنقرة للمساهمة في تقويض حزب الله بالكامل، خصوصاً في ظل قناعة إسرائيلية أن الأتراك يعملون على تسهيل وصول أي مقومات دعم للحزب، وهو ما يريد الإسرائيليون والأميركيون منعه.
تصريحات باراك والتباين الأميركي
لا يبدو أن التصعيد الإسرائيلي في سوريا، يروق للأميركيين أو على الأقل لجزء من الإدارة الأميركية، وهو ما يعبّر عنه المبعوث الأميركي توم باراك، الذي أشار إلى أن إسرائيل تواصل الاعتداءات وتحتل الجولان، في تصريح يخالف توجهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. قد يكون هذا التصريح تعبير عن تباين في الآراء داخل الإدارة الأميركية، وقد يكون ذلك مرتبطاً بتوزيع أدوار، لا سيما أن تصريحات باراك تتكرر بشأن سوريا كما بشأن لبنان، ولكن من دون أي فعالية للجم إسرائيل عن مواصلة اعتداءاتها. ما يسعى إليه باراك واضح، وهو يعمل دوماً على محاولة الوصول إلى تفاهمات بين سوريا وتركيا وإسرائيل، لكن مساره متعثر، كما أن باراك هو أحد أصحاب وجهة نظر الوصول إلى تفاهمات بشأن إيران ومعها، طبعاً بشروط أميركية، وكذلك مع حزب الله في لبنان، لأنه يعتبر أنه لا بدَّ من الوصول إلى اتفاقات تتيح لواشنطن تحقيق مشروعها واستثماراتها. وفي هذا السياق جاء تصريحه عن أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تفتقد للطرف الأساسي وصاحب القرار، وهو يتحدث بوضوح عن ضرورة إشراك إيران والحزب في المفاوضات والوصول إلى اتفاق.
ذلك يتطابق مع معلومات كثيرة تحدثت عن أنّ باراك سعى عبر الأتراك وعبر رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تمرير رسائل لحزب الله وللإيرانيين حول إمكانية الوصول إلى تفاهمات. وهذا ما دفع ترامب إلى الحديث علانية عن أنه مستعد للحوار مع حزب الله إضافة إلى الحديث عن حصول تواصل معهم. مواقف باراك هذه، تدفع إسرائيل إلى شنّ المزيد من الحملات عليه، وعلى تركيا وسوريا، خصوصاً أن الإسرائيليين ينظرون إلى باراك بوصفه يقرأ سياسة المنطقة من منظور تركي.
المنطق الذي يعمل وفقه باراك، هو المنطق نفسه الذي تعتمده تركيا في مقاربتها لتطورات المنطقة، ولوقف التصعيد الإسرائيلي فيها، مقابل احتواء إيران، وضمن هذا المنطق عملت تركيا في لبنان أيضاً، وتستعد للمزيد من التحركات. وفق المعلومات فإن تركيا تطرح بوضوح ضرورة الوصول إلى تسويات وتفاهمات، وتسعى لضم سوريا ولبنان إلى اتفاقية مكة، أو لإدخالهما في اتفاقيات أخرى معها، لكن المنطق الأساسي هو أنه لا يمكن القبول بوجود جيشين داخل كل دولة، ولا يمكن القبول بوجود فصائل مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة. هذا ما يوضحه المسؤولون الأتراك للمسؤولين اللبنانيين، وهو ما ينسقون بشأنه مع الأميركيين ومع دول الخليج أيضاً ولا سيما السعودية.
خروج الحرس الثوري من لبنان.. دور تركيا؟
يتزامن ذلك مع مواصلة التصعيد الإسرائيلي في لبنان، وسط معلومات تتحدث عن نية إسرائيلية لتدمير كل منشآت حزب الله العسكرية وتفجير الأنفاق بما فيها الأنفاق الموجودة في البقاع، وفي هذا السياق تندرج الجملة الجديدة التي تشير إلى أن هناك أنفاقاً تحت قلعة بعلبك وفي مناطق أخرى من البقاع أو من لبنان. بينما كان الأتراك قد اقترحوا سابقاً الدخول بوساطة بين إيران، سوريا، حزب الله والدولة اللبنانية، تقضي بتفكيك مخازن الصواريخ العائدة للحزب في البقاع، ونقلها إلى سوريا ومن هناك تتولى أنقرة تسليمها إلى إيران. جزء مما تطرحه تركيا وسوريا هو بضرورة خروج الحرس الثوري من لبنان وعدم الاستمرار بالقيام بأي نشاط عسكري. هنا لا يمكن فصل تصريح المسؤول في حزب الله محمود قماطي عن عدم وجود ضباط إيرانيين من الحرس الثوري في جنوب لبنان. ويأتي هذا التصريح رداً على تصريحات وتسريبات إسرائيلية بأن هناك ضباطاً من الحرس في منشأة علي الطاهر. وهنا لا بدّ: من السؤال إذا كانت أنقرة قد نجحت في أحد مساعيها في تأمين خروج عدد من مقاتلي الحزب أو الحرس الثوري من علي الطاهر، لا سيما أنه منذ أكثر من أسبوع هناك محاولات ومساعٍ تبذل للوصول إلى صيغة تقضي بتسليم الجيش اللبناني تلك المنشأة، مع محاولات لإقناع حزب الله بتسليمها. وفي إحدى المحاولات كان الحزب يصرُّ على الاحتفاظ بالسلاح والعتاد العسكري الذي سيتم إخراجه من المنشأة، كما أنه يطالب بضمانات بعدم دخول إسرائيل إليها بحال جرى تسليمها للجيش اللبناني، ذلك لا ينفصل عن معلومات بدأت تسري في أوساط الحزب بأنه تمكَّن من إخراج مقاتلين من المنشأة، كما تمكّن من إجراء عمليات تبديل في صفوف مقاتليه.




