كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
لم تنتهِ ذيول قانون العفو ومفاعيله السياسية. فالكباش السياسي الحاد الذي رافق عملية إقراره يتجاوز التوريات الأخلاقية والإنسانية، ليكشف عن أمر أعمق يتصل بحدود القوة والنفوذ داخل الدولة، وبقضية كانت أسيرة عملية تنميط مستمرة، وتصنيف مذهبي وسياسي ضيق، فإذا بها تنتقل إلى مساحة وطنية أوسع.
وهنا بالضبط تكمن أهمية موقف “القوات”، إذ لم تكتفِ برفض قانون مجحف، بل ساهمت في إخراج قضية المعتقلين من المتراس المذهبي، بما قاد إلى تحويل قضية المعتقلين من مسألة متفجرة إلى مبادرة وطنية استطاعت جمع قوى ونواب تحلّقوا حول عنوان العدالة.
ولعل أفضل دليل على أهمية هذا الموقف هو الحملة المبرمجة لشيطنة “القوات” اللبنانية ورئيسها سمير جعجع، عبر 3 مسارات متوازية: وطني ومسيحي وسني. مسيحيًا، يُصوَّر رئيس “القوات” على أنه “الشيخ جعجع” الذي يمنح الهدايا السياسية للمسلمين، ويؤيد العمق العربي على حساب مسيحيته. أما سنيًا، فتعمد بعض الأطراف المنتهية الصلاحية السياسية إلى إعادة استنساخ صورة نمطية تنبعث من مقبرة الحرب الأهلية، لتقديمه على أنه حليف إسرائيل، بما يستهدف وعيًا جمعيًا شديد الحساسية، لكونه يمس العقيدة.
بالتوازي، يجري الترويج لعملية بيع مزعومة لدماء الجيش بما تحمله من رمزية وطنية مكثفة مسيحيًا. هذه الصور الثلاث المتعارضة تلتقي عند وظيفة واحدة: ضرب موقف “القوات” وتفريغه من معناه الوطني والأخلاقي، عبر إعادة مذهبة مركبة لمن حمل القضية بعد فشل مذهبة القضية نفسها.
الخيط الناظم يبدأ من لحظة انسحاب كتلة “القوات” من الجلسة التشريعية اعتراضًا على قانون مجحف، ورفضها تحويل مسألة المعتقلين إلى مادة للتسويات السياسية، وصولا إلى تبني جعجع للقضية باعتبارها قضية مظلومية سياسية وإنسانية تستحق معالجة أكثر إنصافًا وعدلا، وعدم التعامل معها بوصفها قضية سنية، حيث وضعها في سياق مواز لتجربته و”القوات” وما نالهما من اضطهاد وقمع على يد نظام الوصاية السورية. كان جعجع دقيقًا وموفقًا في المقاربة التي تبناها، فمن ذاق الظلم السياسي يستطيع أن يقرأ ويستشعر مآسي المظلومين خارج إسار الحسابات السياسية المصلحية.
ضمن هذا السياق، تكتسب زيارة المحامي محمد صبلوح إلى “معراب” دلالتها. فالرجل الذي حمل هذه القضية لسنوات خلت، وكان رأس حربة في مواجهة غير متكافئة مع الدولة العميقة حين كان كثيرون يتهرّبون من ملف سُيّج بخطوط حمر متفجّرة، اختار “معراب” من بين كل الأطراف والنواب والشخصيات السياسية التي دعمت قانون العفو، للإضاءة، من موقع المسؤولية، على “موقف القوات المشرف لرفع الظلم”، وليقول بوضوح: “القوات أنقذت قانون العفو بانسحابها من الجلسة التشريعية، وأنها أسهمت في توحيد النواب السنة، وتحويل القضية إلى مبادرة وطنية”. أو بمعنى آخر، كان موقف “القوات” بمثابة قوة الدفع لمسار إقرار قانون العفو.
ومن بوابة “معراب”، أعاد صبلوح التأكيد على ضرورة محاسبة قتلة الجيش الحقيقيين، وليس كما يزعم المتاجرون بها في “بازار” سياسي رخيص، مع إعادة التذكير بما في حوزته من تسجيلات ووثائق تثبت تورط “حزب الله” في دماء العسكريين إبان “أحداث عبرا”، والتي امتنعت المحكمة العسكرية عن استلامها لأسباب معروفة.
إقرار قانون العفو يكشف، في المقابل، أن قدرة “الحزب” على فرض “الفيتو” في مجلس الوزراء أو مجلس النواب لم تعد متاحة كما كان الحال سابقًا. فمنذ متى كان “الحزب” يتموضع خلف الجيش ويتخذه متراسًا سياسيًا وحتى مذهبيًا؟
حين تصبح قضية كانت محكومة بالتحريم السياسي قابلة للنقاش والتسوية داخل الدولة، فهذا يعني أن معادلة القوة بدأت تتفكك، وأن فائض النفوذ بدأ يتهاوى.
وعليه، فإن الحملة على “القوات” من علائم أهمية موقفها، لا ضعفه أو مصلحيته أو وظيفيته، لكونه ساهم في تأطير الجهود حول مسار وطني واضح، وكسر “فيتو” “حزب الله”، وإفشال كل محاولات الأخير للإطاحة بالقانون عبر سلاح تطيير النصاب. وفي السياسة تكمن أهمية المواقف في توقيتها وتأثيرها في مجرى الأحداث.




