نواف سلام ومعركة استعادة كرامة الدولة

نواف سلام ومعركة استعادة كرامة الدولة
نواف سلام ومعركة استعادة كرامة الدولة

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

يروى في التراث الإسلامي أن معاوية بن أبي سفيان كان يرفع على منبر “المسجد الأموي” قميص الخليفة عثمان بن عفان الملطخ بالدم، ويطالب بالقصاص من قتلته، محولا إياها لأداة سياسية لتسويغ تمرده على مشروعية الخليفة علي بن أبي طالب. وفي السياسة، كثيرًا ما يستحضر “قميص عثمان” في “حادثة ما”، ويوظف لمصادرة القرار أو ممارسة وصاية عليه.

وهذا ما حصل مع حادثة منع وزير الدفاع ميشال منسى من إلقاء كلمة في الجلسة التشريعية للتعبير عن موقف الجيش، عرض قبلا في جلسات اللجان بالتفصيل، حيث جرى تحويلها إلى “قميص عثمان” سياسي بامتياز، رفع بوجه رئيس الحكومة نواف سلام، وتشارك في حمله “رهط” سياسي عريض. من “التيار الوطني الحر” الذي دخل “المقبرة السياسية” لاستخراج جثة اتفاق “مار مخايل”، إلى حزب يلعن معاوية لكنه سلك مسلكه في توظيف الدم، ونواب فضحت الجلسة أنهم “نسخة باسيلية” بلا باسيل، وصولا إلى الرئيس نبيه بري الذي تأرجحت كتلته على إيقاع ميزانه السياسي الخاص ودوافعه الخارجية.

بالموازاة، شُنّت أعنف حملة سياسية وإعلامية على الرئيس سلام منذ تشكيل حكومته، أسبغت على الجيش هالة قداسة لتوظفها في خطاب يقطر مذهبية. لكن سلام بقي صامدًا وصلبًا ولم يتزحزح عن موقفه. فحين يستلهم رئيس الحكومة روح القانون لا نصه فحسب، ولا سيما “قانون الدفاع الوطني” الذي يلزم الجيش بـ “الحياد السياسي”، فإن غايته هو حماية المؤسسة العسكرية وإبعادها عن شرور الاستقطاب السياسي والمذهبي.

في لحظات كثيرة، بدت الجلسة التشريعية أشبه بـ “سوق عكاظ” سياسي، يرمي لكسر إرادة الدولة، ولي ذراع رئاسة الحكومة، والاعتداء على صلاحيتها الدستورية، وإعادة إنتاج وصاية سياسية متعددة الأطراف على قرارها. فإذا كان من حق الجيش إسماع موقفه عبر القنوات الدستورية، فإن تحويله إلى طرف في السجال النيابي بداية الطريق إلى تسييسه، وربما مذهبته. وهنا تكمن أهمية موقف الرئيس سلام الشجاع الذي يطوي صفحة أعراف وسوالف كرّست اختلال ميزان السلطة.

من قضية “التوقيت الصيفي” حينما ظهر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وكأنه تلميذ في حضرة “المعلم” و”سيد السلطات” الرئيس بري. إلى نهج جبران باسيل الابتزازي في تعطيل اجتماعات مجلس الوزراء والتحكم بجدول أعماله، إلى آليات تمرير القوانين والتصويت عليها في البرلمان، حيث يجد النواب في الجريدة الرسمية ما لم يصوتوا عليه في الهيئة العامة.

في كتابه “البرزخ” يوثق النائب علي حسن خليل، بلسان الرئيس بري، كواليس تحويل “الرئاسة الثانية” إلى مركز لإدارة المواجهة السياسية، ومنصة لإسقاط الشرعية المجسدة بحكومة السنيورة، بما قاد إلى فرض وصايات على قرار رئاسة الحكومة صيّرتها أقرب لموقع برتوكولي مجرد من الصلاحيات.

ولعل أكثر ما يكشف انتقائية “قميص عثمان” أن كرامة الجيش لم تكن حاضرة حينما جرى تجاهل موقفه في ترسيم الحدود البحرية، وتعرض إلى حملة قاسية لحساب تسوية شريكاها الرئيسان بري وميشال عون، أسهمت في تعزيز سلطة “حزب الله” ونفوذه على الدولة. يومها تصرف قائد الجيش جوزاف عون باحترافية. أظهر موقف المؤسسة العسكرية من التنازلات “السيادية” دون أن يسعى لتحويلها إلى طرف سياسي، بل أكد التزامه قرار السلطة السياسية. وهذا هو الفارق الذي يبنغي ألا يضيع اليوم، حيث لا يجوز أن يستدعى الجيش ليكون أداة في معركة سياسية ضد رئيس الحكومة.

حين يقول سلام إن هناك رئيس حكومة واحدًا لا 24، فإنه يتلو الفاتحة في جنازة فتوى تخالف منطق الدولة في أبسط بديهياته، جعلت كل وزير “شيئًا” من رئيس الجمهورية. لقد وضع الإصبع على الجرح الحقيقي: رئاسة الحكومة ليست موقعًا مستباحًا لكل من يريد اختبار قدرته على تطويقها.

وعلى هذا الأساس خاض سلام معركة استعادة كرامة رئاسة الحكومة على قاعدة بسيطة، ركيزتها إبعاد الجيش عن الانزلاق في وحل السياسة، وتحصين الموقع من التفريط المزمن في الصلاحيات كلما اصطدم بإرادة سياسية أقوى. وبهذا المعنى يكون سلام شرع باستعادة شيء أهم وأكبر: كرامة الدولة نفسها من براثن “العسكرة” والميليشيات التي ترتدي “ربطات عنق” أو “خِرَقًا” قانونية مستعارة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تصعيد إسرائيلي عنيف في قضاء صور
التالى عون يفتح نافذة لبنان في قلب القرار الأميركي