فوراء الخدمات التي تبدو بسيطة، من كتابة النصوص وإنشاء الصور إلى تحليل البيانات، توجد منظومة مكلفة تضم مراكز بيانات ضخمة، ورقائق إلكترونية متطورة، وأنظمة تبريد، وكميات كبيرة من الطاقة، إلى جانب فرق من المهندسين والباحثين.
Advertisement
المجانية كجزء من نموذج تجاري
لا تعني إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي مجانًا أن تشغيلها لا يكلّف شيئًا. فالشركات تتحمل نفقات كبيرة لتدريب النماذج وتشغيل الخوادم وتخزين البيانات وتطوير البرمجيات، فضلًا عن تأمين البنية التحتية اللازمة للتعامل مع أعداد ضخمة من الطلبات يوميًا.
وفي كثير من الحالات، تكون الخدمة المجانية مدخلًا إلى منظومة أكبر، تهدف من خلالها الشركات إلى جذب المستخدم، ثم تحويل جزء منه إلى مشترك مدفوع مقابل إمكانات إضافية أو خدمات أكثر تقدمًا.
الإعلانات والاشتراكات والبيانات
وتعتمد الشركات على مصادر مختلفة لتغطية هذه التكاليف. فالإعلانات تمثل أحد النماذج المعروفة، إذ يمكن تحقيق قيمة تجارية من المستخدم حتى من دون دفعه مقابل الخدمة.
كما تعتمد بعض الخدمات نموذجًا يجمع بين الاستخدام المجاني والاشتراكات، بحيث يحصل المستخدم العادي على إمكانات محدودة، بينما تدفع الشركات والمستخدمون المحترفون مقابل سرعة أكبر، ونماذج متقدمة، وقدرة استخدام أوسع.
وتبقى البيانات من أكثر الجوانب حساسية، إذ يمكن للخدمات الرقمية جمع أنواع مختلفة من بيانات الاستخدام وفق سياساتها وشروطها، ما يطرح تساؤلات حول قيمة البيانات الشخصية وكيفية استخدامها في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.
كلفة لا يراها المستخدم
ولا تقتصر فاتورة الذكاء الاصطناعي على تكاليف البرمجيات والخوادم، فهناك كلفة أخرى أقل وضوحًا تتمثل في الطاقة.
فتشغيل النماذج على نطاق واسع يحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، ومعدات حوسبة متقدمة، وأنظمة تبريد، إضافة إلى شبكات كهرباء قادرة على تلبية الطلب المتزايد.
ومع استمرار توسع الذكاء الاصطناعي، أصبحت كفاءة استهلاك الطاقة مسألة اقتصادية وبيئية في آن واحد، فيما قد تنعكس تكاليف التوسع في البنية التحتية بصورة غير مباشرة على الاستثمارات وأسعار الكهرباء.
المستخدم ليس دائمًا من يدفع
وتكشف هذه المعادلة أن المستفيد من الخدمة ليس بالضرورة الطرف الذي يتحمل تكلفتها. فقد يستخدم شخص أداة ذكاء اصطناعي مجانًا، بينما يأتي التمويل من شركات تدفع مقابل خدمات متقدمة، أو من الإعلانات، أو من المستثمرين، أو من منتجات أخرى توفرها الشركة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل الذكاء الاصطناعي مجاني؟ بل: من يمول الخدمة التي أستخدمها مجانًا؟
ومع ارتفاع كلفة تطوير وتشغيل النماذج، ستحتاج شركات التكنولوجيا إلى إثبات قدرة نماذجها المجانية على الاستمرار ماليًا، ما قد يعني زيادة الاعتماد على الاشتراكات والإعلانات والخدمات المدفوعة، أو الجمع بينها ضمن نماذج اقتصادية هجينة.
وفي المحصلة، لا توجد خدمة تقنية مجانية بالكامل. فإذا لم يدفع المستخدم مباشرة، فهناك طرف آخر يتحمل الكلفة، سواء كان معلنًا أو مشتركًا آخر أو مستثمرًا أو شركة، وفي بعض الحالات المجتمع نفسه من خلال كلفة الطاقة والبنية التحتية.
فمستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده قدرته على أن يصبح أكثر ذكاءً فحسب، بل أيضًا قدرته على بناء نموذج اقتصادي مستدام لمن يدفع ثمن هذا الذكاء.




