موقع دعم الإخباري

تحوّل هادئ في واشنطن: الطريق إلى محادثات إسرائيل ولبنان

كتبت أمل شموني في “نداء الوطن”:

في هدوء صباح يوم جمعة في واشنطن، اتصل سفراء إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة عبر خط مؤتمرات آمن، ليصنعوا التاريخ، أو على الأقل ليضعوا أسسه. قد تبدو المكالمة التحضيرية قبل المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان الثلثاء المقبل إجراءً روتينيًا، لكن وراء هذه الدبلوماسية يكمن تتويج أشهر من العمل خلف الكواليس، والضغط العسكري، وتغير التحالفات، واستعداد لبناني غير مسبوق للجلوس مع إسرائيل مباشرة.

ووفقًا للمصادر الأميركية، ضم الاجتماع الافتراضي سفير إسرائيل يحيئيل ليتر، وسفيرة لبنان ندى حمادة معوض، وسفير الولايات المتحدة لدى لبنان ميشال عيسى، ومستشار وزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام. وكان الهدف: وضع الخطوط العريضة لجلسة الانطلاق في واشنطن الأسبوع المقبل. مع ذلك، حتى في الوقت الذي كان فيه الدبلوماسيون يتحدثون عن ترتيبات الجلوس وبنود إطار جدول الأعمال (framework)، كان المعنى الضمني واضحًا لا لبس فيه: أهم محادثات بين إسرائيل ولبنان منذ نهاية حرب 2006 على وشك البدء، ولأول مرة، يأتي الجانبان إلى طاولة المفاوضات بدون شروط مسبقة.

مفاوضات ولدت من رحم الأزمة

لم يبدأ التوجه نحو المحادثات في واشنطن، بل في بيروت مع تزايد حدة الاستهدافات الإسرائيلية. فبحسب مصادر أميركية، أرعبت غارات “الأربعاء الأسود” الجميع في لبنان، ودفعت كل الدولة لا سيما الرئيس نبيه بري الى التحرك. وأدى هذا الشعور بالإلحاح إلى تغيير الحسابات الاقليمية بين عشية وضحاها. وبحسب المصادر الأميركية، فإن الرئيس بري، الذي طالما اعتُبر عقبة أمام أي مسار دبلوماسي مباشر مع إسرائيل، “تخلى عن شرط وقف إطلاق النار” بعد الغارات. وقد فتح قراره الطريق أمام الرئيس جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام لمتابعة ما وصفه السفير السابق إد غابرييل بأنه “قفزة من الشجاعة الاستراتيجية”.

قال غابرييل لـ “نداء الوطن” إنه “منذ أن دعا الرئيس عون إلى مفاوضات مباشرة، بذلت الجالية اللبنانية – الأميركية، بما فيها مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان، جهودًا حثيثة للدفع بهذا الأمر قدمًا”، مشددًا في المقابل على أن “السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى قام بعمل تمهيدي ضخم، حيث التقى بالسفير الأميركي لدى إسرائيل، ووضع صيغة قد تكون مقبولة للطرفين”.

ويصف غابرييل، الذي لطالما كان حلقة وصل بين واشنطن وبيروت، تقاربًا في الظروف: “إدراك إسرائيل أن حربها مع حزب الله ستتطلب أكثر من مجرد أفعال عسكرية، واستنتاج لبنان أن استمرار الضربات الإسرائيلية يهدد بانهيار الدولة.” وأضاف: “لقد لمسوا الآن فائدة التوجّه نحو التفاوض”.

ما يجعل هذه المحادثات المرتقبة ذات أهمية فريدة ليس مجرّد انعقادها، بل كيفية انعقادها. فلا يطالب أي من الطرفين بتنازلات أولية. وهذا يمثل قطيعة جذرية مع عقود من الأعراف الدبلوماسية في تعاملات لبنان مع إسرائيل. في هذا الإطار، أكد غابرييل أن “الطرفين اتفقا على عدم وجود شروط مسبقة”، لافتا إلى أن “وقف إطلاق النار، وخفض التصعيد، ونزع سلاح حزب الله، كلها ستكون مطروحة في المفاوضات”.

والنتيجة هي إطار عمل تُحركه الضرورة الملحّة، لا المثاليات. ويتوقع المفاوضون أن تكون أولى بنود جدول الأعمال خريطة طريق، بتيسير من الولايات المتحدة، نحو نزع سلاح “حزب الله” والانسحاب التدريجي لإسرائيل من الأراضي اللبنانية، تليها إجراءات لبناء الثقة مثل ترسيم الحدود وتجنب الاشتباكات العسكرية.

وفي واشنطن، يصف مسؤولون أميركيون هذه المحادثات بأنها “أهم انفتاح دبلوماسي في لبنان منذ عقود.” وقال مصدر دبلوماسي أميركي رفيع إن الإدارة الأميركية تنظر إلى الحكومة اللبنانية الحالية على أنها “من بين أكثر الحكومات مصداقية التي شهدناها منذ سنوات، وفرصة حقيقية لإعادة تأكيد سيادة الدولة”.

وبحسب روايات متقاطعة، فإن إدارة ترامب تضع نفسها في موقع الضامن والمسهل في آن واحد. وقد علمت “نداء الوطن” أن الملف اللبناني أصبح اليوم في العهدة المباشرة لوزير الخارجية ماركو روبيو. كذلك، أكدت مصادر في البيت الأبيض “وجود دعم كبير من الإدارة للرئيس والحكومة اللبنانية”، مضيفة “ندرك أن الرئيس عون ورئيس مجلس الوزراء سلام عازمان على نزع سلاح حزب الله وإيجاد السلام مع جيران لبنان”.

خلف الستار: تحوّل في البيئة الشيعية

في المقابل، يقدم السفير الأميركي السابق لدى لبنان، ديفيد هيل، إطارًا تاريخيًا أعمق لهذه اللحظة الدبلوماسية. فبرأيه “لطالما كان لبنان ساحة صراع بين إسرائيل وسوريا أو إيران. تاريخيًا، كان العنف الذي يمارسه حزب الله يُقابل بردود إسرائيلية محصورة داخل لبنان، حتى وإن كان مصدره طهران أو دمشق”.

تغيّر هذا النمط بعد تشرين الأول 2023، عندما اشترطت تل ابيب وقف إطلاق النار الشاملة، الذي توسطت فيه الإدارة الأميركية السابقة، لا سيما نزع سلاح حزب الله مقابل ضبط النفس الإسرائيلي. وأضاف هيل أن فشل “حزب الله” في الوفاء بتلك الشروط، والحملة الإسرائيلية اللاحقة، أدّيا إلى “تآكل نفوذ “الحزب” داخل المجتمع الشيعي”. وبحسب هيل، “يُقرّ العديد من الشيعة بأن حزب الله قد نقض العقد الاجتماعي. فهو لم يعد يدافع عن لبنان في مواجهة إسرائيل؛ بل أصبح يستجلب العدوان الإسرائيلي”.

وكانت النتيجة انفراجًا سياسيًا غير مسبوق في التاريخ اللبناني الحديث: إذ بات الوزراء الشيعة، ورئيس مجلس النواب نبيه بري نفسه، يوافقون الآن، وإن كان على مضض، على عملية قد تفضي إلى تفكيك الوضع المسلح لـ”حزب الله”. ويشير هيل إلى أن “هذه المحادثات تُعد تأكيدًا لدور الدولة. فلبنان يتحدث إلى إسرائيل بشكل مباشر، وليس عبر إيران. وهذا بحد ذاته أمر تاريخي”.

الجيش تحت المجهر

إذا كانت الدبلوماسية هي لغة المرحلة الراهنة، فإن نزع السلاح سيكون بمثابة قواعدها النحوية. وفي صلب تلك القواعد تكمن مؤسسة الجيش الموكل إليها مهمة “استيعاب ونزع وتفكيك” القدرات العسكرية لـ”حزب الله”.

ويحذر آرام نيرغيزيان، الرئيس التنفيذي لمجموعة “مورتونز” وأحد أبرز الخبراء الأميركيين في قطاع الأمن في لبنان، من أن الجيش يواجه تحديات هيكلية هائلة. حيث أشار إلى “إننا نتحدث هنا عن مؤسسة عسكرية قضت ست سنوات في التعامل مع أسوأ أزمة مالية ونقدية شهدها التاريخ اللبناني. فالمئات من الضباط لا يدركون كيف ستبدو حياتهم بعد انتهاء الخدمة، والضباط الصغار يعانون من تراجع في الروح المعنوية، ومع ذلك يُطلب منهم نزع سلاح ميليشيا ترفض الانصياع لأوامرهم.” وهذا يعني أن الجيش بات ملزمًا بالمناورة وسط مزيج محفوف بالمخاطر يجمع بين الولاء، والردع، وبناء التوافق الداخلي.

ومما يزيد الأمور تعقيدًا، فإن الجيش قد أعاد مؤخرًا نشر معظم قوته القتالية حول العاصمة بيروت، مما ترك جنوب لبنان في حالة غياب شبه تام للسلطة. في هذا الإطار، قال نيرغيزيان: “إنها ليست مجرد مشكلة عسكرية؛ بل هي مشكلة مدنية تتعلق بكيفية إعادة تعريف مفهوم التماسك الوطني في ظل استراتيجية دفاعية تعتمد في جوهرها على المساعدات الخارجية”.

الانهيار الاقتصادي يلتقي بالفرصة الاستراتيجية

من وجهة نظر الدكتور “ماثيو ليفيت”، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، كان الانهيار الاقتصادي في لبنان بمثابة العامل المسرّع الصامت الذي قاد إلى هذا الاختراق الدبلوماسي. ويوضح ليفيت أنه “حتى قبل السابع من تشرين الأول، كان لبنان يواجه بالفعل أزمة سياسية واقتصادية خانقة، وكان المانحون الدوليون يدرسون تقديم حزم مساعدات مشروطة تستند إلى أمر واحد: الإصلاح السياسي.”

وقد أدى قرار “حزب الله” إسناد حماس إلى تعميق تلك الأزمة، مما دفع شريحة واسعة من اللبنانيين، بمن فيهم العديد من المدنيين الشيعة، إلى رفض الصراع الذي لا ينتهي. وقال ليفيت “إن محاولة المجتمع الدولي ربط المساعدات بشروط قد استوجبت من بيروت أن تُثبت قدرتها على بسط سيطرتها على أراضيها، أفضى إلى نشوء آلية التواصل التي تقودها الولايات المتحدة (الميكانيزم)، وصولاً في نهاية المطاف إلى إجراء محادثات مباشرة”.

ويبدو ليفيت متفائلاً بحذر. إذ قال “لا أعتقد أن أيًا من لبنان أو إسرائيل يرغب في استمرار هذا الوضع”، مضيفًا “ترى إسرائيل أن هذه المشكلة قابلة للحل، شرط أن ينحسر تهديد “حزب الله” بالقدر الكافي الذي يتيح للجيش اللبناني بسط احتكاره وسيادته على السلاح”.

دور واشنطن: وسيط القوة الصامت

تتموضع الولايات المتحدة كطرف ثالث لا غنى عنه في هذه المعادلة الثلاثية الأطراف. وقد اضطلع السفير عيسى بدور محوري خلف الكواليس في الربط بين القنوات الإسرائيلية واللبنانية على مدار الأشهر الماضية. وقال مصدر في الخارجية الأميركية إن “عيسى يُعد بمثابة حجر الزاوية؛ فهو الشخص الذي نجح في ترجمة النوايا السياسية اللبنانية إلى مسار دبلوماسي قابل للتطبيق العملي”.

وقد ارتكزت الاستراتيجية الأميركية على فصل المباحثات بين لبنان وإسرائيل عن المفاوضات الأوسع نطاقاً الجارية بين الولايات المتحدة وإيران؛ وهو تمييز أشاد به غابرييل واصفًا إيّاه بأنه “بالغ الأهمية! فنحن هنا أمام دولتين ذاتَيْ سيادة تتفاوضان بشكل مباشر، ولا تُعد مباحثاتهما جزءًا من مفاوضات تتعلق بإيران”.

كما يتيح هذا الفصل للولايات المتحدة أن تُؤطّر مساعي لبنان لاستعادة سيادته باعتبارها جزءًا من عملية إعادة ضبط أطول أمدًا لموقفها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، وذلك عبر التحوّل من مجرّد إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات.

وفي هذا السياق، أشار مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية إلى أن “الإدارة ترى في هذا الملف حالة اختبار ونموذجًا تجريبيًا سيجيب عمّا إذا ستتمكن واشنطن من مساعدة لبنان، “الديمقراطية الضعيفة التي تواجه ميليشيات داخلية”، على استعادة السيطرة عبر الدبلوماسية والدعم، بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات؟ هذا هو النموذج الجديد.

أخبار متعلقة :