موقع دعم الإخباري

اللامركزية البنيوية… مسار مرتقب للتعافي والجهوزية

كتبت ريتا بولس شهوان في “نداء الوطن”:

يتجه لبنان نحو تبنّي رؤية بنيوية إقليمية تقوم على اللامركزية كخيار استراتيجي لتجاوز الأزمات المركزية المتراكمة وضمان الجاهزية الاقتصادية للبلاد. وتستند هذه الحركة إلى أرضية تشريعية سبق أن أعدّتها اللجنة الرسمية برئاسة الوزير السابق زياد بارود، بتكليف من رئيس الجمهورية الأسبق ميشال سليمان، والتي أثمرت آنذاك مسوّدة مشروع قانون “اللامركزية الإدارية” الذي يؤسس لهذا التحول البنيوي.

إن مشروع اللامركزية الإدارية تضمّن تصورًا متكاملا لإعادة هندسة العلاقة بين المركز والأطراف على أساس “التنمية المتوازنة” و”الفعالية الإدارية” فقد نصّت مسوّدته على إنشاء مجالس محلية منتخبة تتمتع باستقلالية مالية نسبية وصلاحيات تقريرية في مجالات التخطيط الإنمائي، وإدارة البنى التحتية، وتحفيز الاستثمار المحلي، بما يسمح لكل منطقة بتوظيف ميزاتها التنافسية ضمن رؤية وطنية جامعة.

وفي هذا السياق، يمكن وضع المشاريع اللوجستية المطروحة اليوم، من تشغيل مطار القليعات وتفعيل مرفأ طرابلس، إلى تطوير مرفأ جونية واقتراح تعددية المطارات، كترجمة تطبيقية تدريجية لهذا الإطار التشريعي غير المُقرّ بعد. فهي تعكس انتقالا من “لامركزية إدارية نظرية” إلى “لامركزية وظيفية – تشغيلية” تفرضها ضرورات الواقع الاقتصادي، حيث تتولى المناطق عمليًا أدوارًا كانت محصورة تقليديًا بالمركز، لا سيما في إدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.

كما أن مشروع بارود أشار ضمنًا إلى أهمية التكامل بين الوحدات اللامركزية بدل تنافسها، وهو ما يتقاطع مع مفهوم “التخصص الوظيفي للمرافق”. فبدلا من خلق مراكز متوازية متنازعة، تقوم الرؤية على توزيع الأدوار الاقتصادية، من مرافئ ومطارات ومناطق صناعية، بما يعزز الترابط الشبكي ويحد من الازدواجية والهدر، وهو ما يشكل أساسًا لبناء اقتصاد وطني مرن وقادر على التكيف مع الأزمات.

وتُظهر هذه المقاربة أن ما يجري اليوم لا يمثل قطيعة مع مشروع اللامركزية، بل تطورًا عمليًا له في ظل غياب إقراره الرسمي، حيث تتقدم المبادرات الميدانية على التشريع، وتؤسس تدريجيًا لواقع قد يفرض لاحقًا تحديث الإطار القانوني بما يتلاءم مع التحولات التي بدأت فعليًا على الأرض.

وفي ظل الواقع الانتقالي الحالي، تتبلور هذه الرؤية اللامركزية في خطط ومبادرات عملية، تشمل تفعيل شبكة خدماتية موزعة جغرافيًا تهدف إلى تأمين حركة التجارة والسفر والطاقة، وذلك من خلال تشغيل المدرج البالغ طوله 3000 متر في مطار القليعات شمالا، وتشييد رصيف للمسافرين بطول 400 متر في مرفأ جونية بجبل لبنان، من دون إقصاء أو إلغاء لدور المرفقين المركزيين في بيروت، أي المطار والمرفأ.

“طرابلس الكبرى” وشبكة الطيران اللامركزية

تأتي هذه الخطوات اللامركزية لترافق جهود رفع قدرات الدولة اللبنانية وتمكين الوصول إلى أطرافها كافة. ووفقًا لرئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في طرابلس والشمال، توفيق دبوسي، فإن هذه المشاريع تضع مطار القليعات ومرفأ طرابلس على خارطة الأصول الإقليمية الحيوية للبنان.

ويرى دبوسي أن الامتداد الجغرافي لـ”طرابلس الكبرى”، الذي يمتد من البترون إلى عكار، يمتلك من الخصائص والمقومات الجغرافية ما يؤهله لإعادة دمج لبنان في الساحة البحرية والتجارية العالمية بمجرد استقرار الأوضاع الإقليمية. وتستند مبادرة غرفة طرابلس إلى دراسات خلصت إلى أن منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بحاجة ماسة إلى ميناء ومطار محوريين ومتخصصين، وهو ما يمكن تحقيقه عبر استثمار معالم الشمال الرئيسية، مثل مصفاة نفط طرابلس ومعرض رشيد كرامي الدولي، وتحويلهما إلى مراكز تجارية إقليمية في مرحلة ما بعد النزاع.

ومع ذلك، يدعو دبوسي إلى التزام الواقعية على المدى القريب، واصفًا هذه المرحلة بـ”البداية المتواضعة” التي تمثل خطوة أولى ضمن عملية طويلة الأجل، مستبعدًا أن تتجاوز مستويات التوظيف المباشر 100 وظيفة خلال هذه المرحلة التشغيلية الأولى.

وفي السياق الإقليمي ذاته، يقترح خالد نزهة، نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم في لبنان، مواءمة هذه الرؤية مع إنشاء مطارين آخرين في البقاع والشمال، (رياق وحامات/القليعات). ويرى نزهة أن إيجاد نظام مطارات متعددة وتنافسية يمثل المخرج الأكثر جدوى لكسر احتكار حركة الطيران، مما يسهم في خفض أسعار تذاكر السفر المرتفعة الناجمة عن أعباء وقود الطائرات، وتكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب، ومحدودية المسارات الجوية. كما سيتيح هذا النظام استقطاب شركات الطيران منخفضة التكلفة لتنشيط القطاع السياحي، وخدمة المصانع والمزارعين المحليين عبر تمكينهم من شحن منتجاتهم مباشرة من دون تكبد رسوم نقل بري باهظة.

إذًا، يتجاوز الهدف مجرد كسر الاحتكار إلى تفعيل مبدأ “التخصص الوظيفي للمرافق”. فبينما يمكن لمطار بيروت الاحتفاظ بدوره كمرفق رئيسي للمسافرين والخدمات التقليدية، يمكن للمطارات الإقليمية الأخرى تقديم خدمات نوعية منخفضة التكلفة أو متخصصة في الشحن الزراعي والصناعي. هذا التوزيع الوظيفي من شأنه خفض الكلفة التشغيلية الإجمالية وحماية سلاسل التوريد المحلية من مخاطر التوقف التام في حال تعرض المرفق المركزي لأي عطل أو حصار.

بوابة جبل لبنان والتكامل البحري الساحلي

من جانبه، يسلط رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في جبل لبنان، جاك حكيّم، الضوء على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة مرفأ جونية وموقعها الحيوي بالنسبة إلى محور الخدمات اللوجستية الشمالي. ويعتبر حكيّم هذا المرفأ مشروعًا رياديًا لدعم الانتعاش الاقتصادي للقطاعات التجارية والسياحية والخدمية في قضاء كسروان – الفتوح والمناطق الجبلية المحيطة بها.

وينوّه حكيّم بالأهمية التاريخية للمرفأ، معيدًا الزخم الحالي إلى التنسيق القائم بين مختلف الفعاليات المحلية، والبلديات، والشركات في القضاء للتحضير للمرحلة النهائية من النهوض الاقتصادي. وأضاف أنه بمجرد عودة الأوضاع الأمنية إلى طبيعتها، فإن تشغيل المرفأ سيعزز حركة السياحة الوافدة عبر السفن السياحية الكبرى “الكروز”، لاستقطاب السياح الدوليين لزيارة المواقع الدينية والثقافية القريبة، مثل مزار سيدة لبنان في حريصا ومغارة جعيتا.

وتتلاقى هذه الرؤية مع مقترح خالد نزهة بدمج مرفأ جونية في برنامج النقل البحري السريع ونظام التاكسي المائي (Sea Taxi) المقترح في البلاد. ويرى نزهة أن هذا الدمج سيساهم في تخفيف حدة الازدحام المروري الخانق على الطرق الساحلية، وتقليص تكاليف النقل العام، والحد من التلوث البيئي، مما ينعكس إيجابًا على الصحة العامة، فضلا عن دور تجهيز الشواطئ والمواقع الأثرية في دعم استمرارية الشركات والمؤسسات السياحية الصغيرة والمتوسطة.

يرتبط مشروع مرفأ جونية بـ”تخفيف الضغط الحركي” وربطه بالاقتصاد المحلي المتوسط والصغير. يمثل تفعيل نظام “التاكسي المائي” والتكامل بين جونية وطرابلس الساحلية امتدادًا جغرافيًا منطقيًا يربط السياحة الثقافية بالدينية، ويقدم حلا بيئيًا واقتصاديًا لأزمة السير الخانقة على الطريق الساحلي. هذا الربط يسهم في تحفيز مرونة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل عصب الاقتصاد السياحي في جبل لبنان والشمال، مما يعني أن المرفأ ليس مجرد رصيف للمسافرين، بل محفز لشبكة إنتاجية محلية كاملة.

الإصلاحات التشريعية والمالية المصاحبة

ويؤكد نزهة أن توفير البنية التحتية المادية يظل قاصرًا ما لم يترافق مع إجراء إصلاح شامل للقوانين التجارية وقوانين الأعمال اللوجستية، بما يكمل التحول البنيوي ويلبي احتياجات قطاع التجارة الخارجية.

ولإعادة هذه المرافق كقاطرات للاستقرار الاقتصادي، يدعو نزهة إلى تهيئة بيئة مالية مواتية تتطلب إصلاحًا هيكليًا للنظام المصرفي وتقليص الفجوة المالية للحد من “اقتصاد الكاش” الذي يعوق الاندماج التجاري والاستثمارات الكبرى. كما يتطلب هذا التحول الاقتصادي، بالتوازي، شق طرق وتشييد جسور جديدة تربط الشمال ببقية المناطق اللبنانية، لتسهيل حركة المسافرين والبضائع بحرية فور التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

رؤية مرحلية للجاهزية الاقتصادية

تُظهر التطورات المحيطة بمرفأ جونية ومطارات القليعات ورياق وحامات أن المرونة والتخطيط اللامركزي يمثلان الركيزتين الأساسيتين لاستقرار الاقتصاد اللبناني وتهيئته للمستقبل خلال هذه المرحلة الانتقالية.

وفي حين أن التوقعات طويلة المدى، التي تشير إلى إمكانية توفير آلاف الوظائف وتحقيق عوائد مالية مهمة، تعتمد بالدرجة الأولى على التوصل إلى استقرار سياسي وأمني دائم لجذب المستثمرين الأجانب، فإن المشاريع “المرحلية” قصيرة المدى تقدم خطة عمل واقعية ومباشرة.

في النهاية، تتلاقى هذه الرؤى الاقتصادية واللوجستية عند حقيقة أساسية: وهي أن التعافي الاقتصادي في لبنان لا يمكن أن يحدث طفرة واحدة، بل عبر مسار تدريجي ومرحلي. إن التركيز على مشاريع الجاهزية قصيرة المدى، مثل تفعيل العمليات البحرية والجوية بشكل مجزأ وتهيئتها للسلامة الدولية وسياحة اليخوت والسفن السياحية، يتيح تحقيق مكاسب سريعة، تبني الثقة المحلية والدولية بالمرافق اللبنانية، وتضمن بقاء الركائز الهيكلية للاقتصاد قائمة وجاهزة للتشغيل الكامل والمستدام فور نضوج الظروف السياسية والأمنية.

أخبار متعلقة :