جاء في “الراي الكويتية”:
مِن خلْف غبارِ التصعيد الاسرائيلي الأعتى منذ 40 يوماً ومِن قلْب إشاراتِ وقوف جبهة لبنان على حافة مُطاحَنَةٍ قاسية تسير فيها تل ابيب و«حزب الله» بين نقاطِ الخرطوشة الدبلوماسية الأخيرة لبلوغِ اتفاقٍ إطاري على جبهة إيران، لاحَ السؤال المُلِحّ: هل تنجح طهران بفرْض وَقْفِ القتال الشامل في «بلاد الأرز»، والأهمّ هل يشكّل عدم خضوع اسرائيل لهذا الشرط صاعقَ تفجيرٍ لمسار إسلام اباد، بحيث تنسحب «الجمهورية الإسلامية» من مساعي الوصول إلى مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة كرمى لحزب الله؟
ورغم أن الجوابَ على هذين السؤالين بدا صعباً، إلا أنّ وقائع الساعات الماضية ترسم بالنار معالمَ «اليوم التالي» لاتفاقِ المبادئ المفترض على جبهة إيران، في شكلٍ تتراجع معه احتمالاتُ أن تلتزم تل ابيب بوقْفٍ كاملٍ لعملياتها في جنوب لبنان، لتتقدّم تالياً سيناريواتٌ قاتمة يتسابق فيها التصعيدُ الاسرائيلي مع «حربِ المسيَّرات» التي يخوضها «حزب الله» مستفيداً مما تعتبره أوساط سياسية المادةَ الوحيدة التي لم «يَرسب» فيها، حتى الساعة، أمام اسرائيل في الاختبار العسكري المديد الذي «سَقَطَ» في كلّ مكوّناته، بدليل احتلال نحو 600 كيلومتر مربع من أراضي لبنان جنوباً واختفاء عشرات القرى «عن وجه الأرض» وحرية وصول الطيران الحربي إلى عمق بيروت والضاحية الجنوبية لولا قيودِ الرئيس دونالد ترامب.
وفي الوقت الذي لم تفرمل «هجماتُ هرمز» المسارَ الدبلوماسي لإبرام مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية وسط اعتبارِ الوصول الى تسويةٍ حول الأموال المجمّدة لطهران المفتاحَ الرئيسي لولوج مرحلة مفاوضات الستين يوماً القابلة للتمديد، فإنّ جبهة لبنان كانت تشهد هبّات هي الأسخن منذ وقف النار (صارت له 3 نسخ بدأ أولها في 17 نيسان ويستمرّ آخِرها حتى 1 تموز) الذي وُلد في كنف مسار التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل في واشنطن، والذي يقف واقعياً أمام احتمال انهيارِه الكامل تحت وطأة وضْع تل أبيب الإصبع على زناد توسيع الضربات في اتجاه الضاحية الجنوبية لبيروت في إطار استعادة الردع بوجه مسيَّرات «حزب الله».
ورغم أن «حزب الله» في تفعيله حرب المسيَّرات (بالألياف الضوئية) واستخدامها لتعزيز حيثيات إبقاء جبهة لبنان وسلاحه ورقة في يد إيران، بدا وكأنه استفاد من القيود التي فَرَضَها ترامب على اسرائيل لجهة حَصْر عملياتها (التي استمرّتْ في إطار الهدنة) في جنوب لبنان وحَظْرِ الغارات على العاصمة والضاحية الجنوبية (خارج الاغتيال الجِراحي)، فإنّ زيادةَ جرعاتِ الهجماتِ بالمسيَّرات على شمال اسرائيل وَضَع بنيامين نتنياهو أمام حَرَج كبيرٍ وخصوصاً تجاه الداخل بحيث ظَهَرَ أن الحزبَ حوّل الخطوطَ الحمر الأميركية أمام تل ابيب «أكياس رمل» دفاعية أتاحت له اندفاعة هجومية أوحت أنه استعاد زمام المبادرة من دون أن تكون الدولة العبرية قادرة على تفكيك القيود التي جعلتْها مردوعةً بحُكْم مقتضيات مسار اسلام اباد وعدم نسف مسار التفاوض اللبناني – الاسرائيلي في واشنطن.
وبإزاء «الزاوية» التي وَجَدَ نتنياهو نفسه فيها، قَلِقاً من مَضامين الاتفاق المزمع مع إيران وعدم ظهور عنوان وكلاء طهران والبالستي فيه، ومن احتمال إلزامه وقف القتال في شكل كامل مع «حزب الله»، بدا أنه نجح في انتزاعِ تسليم أميركي له بحقّ «الدفاع عن النفس» أو «حماية اسرائيل» بوجه الحزب، وهو ما اعتُبر بمثابةِ إقرارٍ بأن تتمدّد صيغةُ «الحرب في إطار الهدنة» السائدة منذ 17 نيسان لتكون إما تعويضاً عن حاجة واشنطن لإنجاز التفاهم مع ايران في توقيت ترامب، وإما ترسيخاً لمزيد من الوقائع الميدانية التي تفرض نفسها على طاولة المفاوضات اللبنانية – الاسرائيلية والرادعةِ لحزب الله عن أي تعافٍ وإعادة تكوينِ مخزونه العسكري في فترة التفاوض على طاولتي واشنطن واسلام اباد.
التصعيد الأخطر
ومن هنا اعتبرتْ الأوساطُ السياسية أنّ التصعيد الأخطر على جبهة لبنان في الساعات الماضية جاء مزيجاً من ترسيمٍ لمرحلةِ ما بعد التفاهم المحتمل بين واشنطن وطهران وقواعد اشتباكها، ومِن حساباتٍ ما زال تُقاس أميركياً «على دفتر» مَسار اسلام أباد، بمعنى عدم التسبب بتطييره بتشظياتِ أي انفجارٍ كبيرٍ على جبهة «بلاد الأرز» وفي الوقت نفسه عدم ترْكِ «حزب الله» يَستثمر قيود الولايات المتحدة على نتنياهو لجهة حدود التصعيد معه لمحاولةِ فرْض توازناتٍ جديدةٍ لا ترتكز على ميزان قوى فعليّ بل على كبْحٍ اضطراري لقوةِ اسرائيل.
وفي هذا الإطار، فُسِّر اتخاذ اسرائيل، قرار بدء عملية برية في جنوب لبنان تتجاوز «الخط الأصفر» الذي كانت أقامت ضمنه منطقة الدفاع الأمامي في عمق يراوح بين 4 وأكثر من 10 كيلومترات احتلّت فيها بالكامل نحو 60 بلدة لبنانية، وذلك بهدف إبعاد خطرالمسيّرات الموجّهة بالألياف الضوئية أي التي ترتبط بمحطةِ التحكّم عبر سلك ممتدّ من (Fiber Optic) قد يصل مداه الى 30 كيلومتراً.
واعتُبر «الهدف الأول» شمال الخط الأصفر منطقة النبطية التي تعرّضت بلدات عدة فيها لحزام ناري هائل، بالتوازي مع إشارة بالغة الدلالات شكّلها استهداف محيط بحيرة القرعون (البقاع الغربي) مرتين، غداة استهدافٍ مروع لبلدة مشغرة ليل الاثنين بـ 10 غارات في نحو 45 دقيقة ما أدى لسقوط أكثر من 11 ضحية.
ويمكن أكثر فهْم الأبعاد العسكرية لهذه الاستهدافات إذا قيست بالإنذارات التي وجّهها الجيش الاسرائيلي لإخلاء مدينة النبطية، ومشغرة وسحمر (البقاع الغربي)، بعدما أدى استهداف محيط بحيرة القرعون الى قطع الطريق بين بلدتي القرعون ومشغرة المتاخمة لسحمر.
وتُشكل سحمر نقطة وصل جغرافية بالغة الأهمية كونها ممراً حيوياً يربط قرى وبلدات البقاع الغربي بالجنوب اللبناني عبر محافظة النبطية، وبين البقاعين الأوسط والشمالي، وهذا ما يجعلها مع مشغرة ويحمر شرياناً حيوياً للتنقل وخط إمداد عسكرياً. وتالياً فإن قطْعَ الطريق بين مشغرة وسحمر عبر الغارات قرب سد القرعون، يشلّ الحركة الحيوية وقطع خطوط الإمداد والتنقل فوق ضفتي نهر الليطاني لعزل المنطقة.
وثمة مَن تعاطى مع توغُّل اسرائيل شمال الخط الأصفر على أنه قد يكون بمثابة بديلٍ عن توسيع الضربات نحو الضاحية الجنوبية لبيروت وفق توصيةِ المستوى العسكري في اسرائيل والتي لم يكن صادَقَ عليها المستوى السياسي بفعل عدم الحصول على ضوء أخضر أميركي بذلك.
وكان نتنياهو أوّل مَن أعطى إشارة إلى انتقال جبهة لبنان لمرحلة تصعيد جديدة ساد بيروت بإزائها حبسُ أنفاسِ و«رَبْط أحزمة» بعد دق النفير في تل أبيب بتوسيع الضربات رداً على تغوُّل حزب الله في مسيّراتٍ استهدفت مستوطنين في المطلة وشومرا وتسريباتٍ عن إعطاء واشنطن ضوءاً أخضر بذلك، وهو ما تسبب بموجة نزوح كبيرة ليل الاثنين من الضاحية الجنوبية على وقع مناخاتٍ عن أن عودتها الى دائرة الاستهداف كانت مسألة وقت.
وقال نتنياهو إن إسرائيل ستكثّف عملياتها العسكرية في لبنان ضد حزب الله «ولن نبطئ وتيرة الهجوم، بل على العكس، لقد طلبتُ تسريعها والدوس أكثر على البنزين، سنكثف الضربات ونزيد من قوتها، وسنسحق حزب الله».
وإذ تُرجم كلام رئيس الوزراء الاسرائيلي بمهاجمة جيشه أكثر من 100 بنية تحتيّة وعناصر تابعين لـ «حزب الله» في البقاع ومناطق مختلفة في جنوب لبنان مساء الاثنين، حملت وقائع يوم أمس أكثر من 110 غارات نهاراً في الجنوب والبقاع الغربي طالت نحو 20 بلدة، فيما أعلنت القناة 15 الإسرائيلية أن «الجيش يتوغل وينفذ اجتياحات شمال الخط الأصفر في جنوب لبنان للقضاء على مسيرات حزب الله».
من جانبه، دعا وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى تنفيذ ضربات على بيروت لمواجهة هجمات «حزب الله» بالمسيّرات معلناً «مقابل كل مسيّرة متفجّرة، يجب أن تسقط 10 مبانٍ في بيروت، وعلى إسرائيل تغيير القواعد والمعادلة».
أخبار متعلقة :