كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:
رغم الضبابية التي لا تزال تفرض نفسها على المشهد اللبناني، ورغم القلق الذي يرافق المنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، إلا أن حركة مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت بدأت تحمل في طياتها إشارات مختلفة، أقل توترًا وأكثر تفاؤلا. فالأرقام التي تُسجَّل في الأيام الأخيرة لا تعكس مجرد حركة سفر اعتيادية، بل توحي بعودة تدريجية للثقة، سواء من قبل اللبنانيين المغتربين أو من قبل شركات الطيران والمسافرين الذين اختاروا لبنان وجهةً لهم رغم كل الظروف.
في بلد اعتاد أن يلتقط أنفاسه من التفاصيل الصغيرة، تبدو حركة الوافدين اليوم بمثابة نافذة أمل اقتصادية ومعنوية في آنٍ معًا. فارتفاع أعداد القادمين مقارنة بالمغادرين، بعد أشهر طويلة من التراجع والحذر، يُعيد التذكير بأن لبنان لا يزال قادرًا على استعادة جزء من حيويته، وأن أي استقرار ولو نسبي ينعكس سريعًا على حركة الناس والأسواق والقطاعات المرتبطة بالسفر والسياحة والخدمات.
في هذا السياق، أكد رئيس الهيئة العامة للطيران المدني محمد عزيز لـ “نداء الوطن”، أن “عدد الوافدين حتى يوم السبت بلغ نحو 9661 مسافرًا، مقابل 6332 مغادرًا”، مشيرًا إلى أن “إجمالي الوافدين إلى لبنان منذ بداية الشهر وحتى اليوم وصل إلى 125137 مسافرًا، فيما بلغ عدد المغادرين 105482 مسافرًا، أي بفارق يُقارب 16 ألف مسافر لصالح الوافدين”.
دلالات إيجابية
أوضح عزيز أن “هذه الأرقام تُسجَّل للمرة الأولى منذ أشهر، وهي تُعدّ قريبة إلى حد كبير من الحركة التي كان يشهدها لبنان في السنوات السابقة، على الرغم من استمرار غياب عدد من شركات الطيران الأوروبية عن السوق اللبنانية”. ولفت إلى أن “نسبة الوافدين بلغت نحو 65 في المئة مقابل 35 في المئة للمغادرين”، معتبراً أن “هذا المؤشر يحمل دلالات إيجابية على مستوى الثقة والاستقرار النسبي”.
وأشار إلى أن “غالبية الوافدين هم من اللبنانيين المغتربين الذين يواصلون الحفاظ على ارتباطهم ببلدهم رغم الظروف”، معربًا عن “أمله في أن تؤدي أي تهدئة إقليمية أو استقرار سياسي إلى عودة السياح العرب والأجانب خلال المرحلة المقبلة”.
ورأى عزيز أن “أي اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن ينعكس إيجابًا على لبنان والمنطقة، ولا سيما على حركة السفر والطيران”، مؤكدًا أن “الحركة الحالية تُعد جيدة جدًا قياسًا بالظروف القائمة، إذ باتت تعادل نحو ثلاثة أضعاف الحركة التي كانت تُسجل خلال فترة الحرب، فيما يتراوح عدد الوافدين حاليًا بين مرة ومرة ونصف مقارنة بعدد المغادرين، رغم تزامن الفترة مع موسم الحج وما يرافقه من ارتفاع في حركة السفر إلى الخارج”.
كما أثنى عزيز على “الإجراءات التنظيمية والأمنية المعتمدة في مطار بيروت”، معتبرًا أنها “لعبت دورًا أساسيًا في تعزيز ثقة المسافرين وشركات الطيران”، مؤكدًا أن “التطمينات التي أُعطيت خلال الفترة الماضية لم تكن عشوائية بل استندت إلى معطيات واقعية انعكست مباشرة على حركة المطار”. كذلك نوّه بالتنسيق القائم بين “مختلف الجهات الرسمية والوزارات المعنية وطيران الشرق الأوسط”، مشيرًا إلى أن “الجميع يعمل ضمن رؤية مشتركة للحفاظ على استمرارية قطاع الطيران المدني وتنشيطه في لبنان”.
لا تقتصر أهمية هذه الحركة على بعدها المعنوي فحسب، بل تحمل أيضًا انعكاسات مباشرة على الدورة الاقتصادية اللبنانية، إذ إن ارتفاع أعداد الوافدين يعني تلقائيًا تنشيط قطاعات متعددة تبدأ من الفنادق والمطاعم وشركات النقل ولا تنتهي عند الأسواق التجارية والمؤسسات السياحية. كما أن عودة المغتربين خلال هذه الفترة تضخ سيولة إضافية في السوق المحلية وتعيد تحريك عجلة الإنفاق في بلد يعاني من ركود اقتصادي حاد وتراجع القدرة الشرائية منذ سنوات.
في ظل هذا الواقع، تبدو حركة المطار اليوم أكثر من مجرد أرقام أو رحلات جوية، بل مؤشرًا على أن لبنان، رغم كل الأزمات، لا يزال يمتلك قدرة استثنائية على استعادة نبضه تدريجيًا. وبين الحذر والتفاؤل، تبقى الأنظار معلّقة على قدرة الاستقرار السياسي والأمني على تحويل هذه المؤشرات الإيجابية إلى مسار ثابت يعيد للبنان جزءًا من حضوره الاقتصادي والسياحي الذي طالما شكّل إحدى ركائزه الأساسية.
أخبار متعلقة :