موقع دعم الإخباري

تهديدات قاسم تأكيد إضافي على صوابية خيارات عون

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

يكشف حديث الشيخ نعيم قاسم عن إسقاط الحكومة، ولمّا يُبرَم أي اتفاق بعد، وتهديد بعض نواب حزبه ومؤثريه بقتال الجيش، عن تحيّن “حزب الله” أي فرصة تلوح أمامه للقيام بانقلاب سياسي يهدف إلى تثبيت معادلات جديدة تعوّضه عن الضربات الساحقة التي تلقّاها عسكريًا وسياسيًا. ويتوكّأ في ذلك على إرث مؤسساتي طالما مال إلى تغطيته أو التواطؤ معه، ولا سيما في ظل تقاطع المصالح مع قوى حليفة وخصمة، ترى جميعها أن أي مساحة تستعيدها الدولة من نفوذ “الحزب” ستكون حتمًا على حساب نفوذها.

ويتعزّز هذا القلق مع العقوبات الأميركية التي طالت بعض الضباط، واحتمال حصول موجات أوسع تشمل ضباطًا وموظفين كبارًا من مذاهب سياسية ودينية مختلفة، بحسب التسريبات. يُضاف إلى ذلك ضغوط واشنطن لاستحداث جهاز أمني أو وحدات قتالية ضمن المؤسسة العسكرية، ما يضيّق هامش المناورة أمام “الحزب”، ويمنح موقف رئيس الجمهورية الداعي إلى استمرار المفاوضات مع إسرائيل أهمية متزايدة كحل وحيد متاح لتجنّب المزيد من الانهيار.

وفي هذا السياق، تبرز حملة “الحزب” على بعبدا، ومحاولة تصوير عدم إدراجها ضمن دائرة الاتصالات التي أجراها الرئيس الأميركي مع قادة دول المنطقة كأنها إضعاف لموقع الرئاسة، فيما الوقائع توحي بعكس ذلك. ففضلا عن إقصاء العراق من هذه الدائرة، رغم قربه من إيران سياسيًا وجغرافيًا، والأدوار التي لعبها لتقريب المسافات بين واشنطن وطهران، فإن عدم التواصل مع الرئيس جوزاف عون يدل على أن مقاربة ترامب ترتكز على تعزيز استقلالية المسار اللبناني لا إضعاف الدولة، بموازاة زيادة الضغط على ورقة “وكلاء” الملالي، كما يتبيّن من خلال ارتفاع حدّة الاستهدافات والإنذارات الإسرائيلية.

وطالما أننا لا نزال في أجواء ذكرى “اتفاقية 17 أيار”، وفي ظل الاستحضار المبتسر لها من قبل محور الممانعة لخلق انطباعات مضللة في الوعي الجمعي، يصبح لزامًا التذكير ببعض الوقائع المغيّبة عمدًا: ثمة تشابه بين تلك المرحلة والواقع الراهن، أكان من ناحية الاندفاعة الأميركية نحو التسوية، أو من ناحية احتضان البيت الأبيض للرئاسة اللبنانية في عهد رونالد ريغان، وهو النموذج الأقرب إلى أسلوب ترامب السياسي. إلا أن هذا الدعم ليس شيكًا مفتوحًا، بقدر ما يرتبط بمهل وضغوط زمنية، في مقابل موقف إسرائيلي متردّد في التوصل إلى تسوية جدية، في ظل ارتباك بعبدا آنذاك على وقع ضغوط حافظ الأسد والمتغيرات السياسية والعسكرية.

ورغم الحروب والانقسامات، استطاع لبنان في تلك المفاوضات، التي انطلقت في 28 كانون الأول 1982، أن ينتزع مكاسب تفوق ما هو مطروح اليوم، منها تثبيت الحدود البحرية التي جعلت حقل “كاريش” لبنانيًا، قبل أن يتنازل “الحزب” عن عوائده مقابل تثبيت نفوذه في لبنان وسوريا والإقليم، ولا يزال يمتنع عن استهدافه.

يومها، كان لبنان يمتلك ورقة استراتيجية، وهي أن يكون ثاني دولة عربية تعترف بإسرائيل بعد مصر، التي عُزلت عربيًا على وقع هرطقات “جبهة الرفض والتصدي”. لكنها فقدت قيمتها لاحقًا بعد مصافحة عرفات – رابين، و”وادي عربة”، ثم “اتفاقيات أبراهام”. بيد أن المفارقة الأكثر قسوة تبقى في أن الأثمان التي يتم التلويح بها لثني الدولة عن إبرام اتفاق مع إسرائيل لا تعدل شيئًا عند مقارنتها بالأهوال التي أعقبت إسقاط اتفاقية “17 أيار 1983”:

“حرب الجبل” التي اندلعت في 19 أيار من العام نفسه. حرب “أبو عمار” في طرابلس (1983). انتفاضة “6 شباط” (1984)، والتي أفضت إلى إلغاء الاتفاقية في آذار، ثم اقتلاع تنظيم “المرابطون” من بيروت. بداية الانهيار الكبير للعملة الوطنية (1985)، “حرب المخيمات” (1985-1988)، حصار طرابلس من جيش الأسد (1985)، “حرب الإخوة” بين “أمل” و”الحزب”، وحربا “التحرير” و”الإلغاء”.

تلك الصراعات خلّفت ندوبًا لم تلتئم حتى يومنا هذا، وأفضت إلى هيمنة الميليشيات على قرار الدولة ومؤسساتها، قبل أن تدخل السعودية بـ “اتفاق الطائف”، وبرفيق الحريري كقوة توازن في مواجهة سطوة الميليشيات الدولتية، لتشكّل لحظة اغتياله انكسارًا لهذا التوازن.

وعليه، تمسي تهديدات الشيخ نعيم قاسم بالانقلاب بمثابة تأكيد إضافي على صوابية خيارات رئيس الجمهورية وخطواته. وبصفته ضابطًا عايش تلك المرحلة بدقائقها، فإنه لن يسمح بتكرارها وليّ ذراع الدولة من خلال التهديد بـ “الثمن”.

أخبار متعلقة :