موقع دعم الإخباري

ما سرّ إخفاق “الحزب” في المعركة البرية؟

كتبت باسكال صوما في “نداء الوطن”:

جيّش “حزب الله” على مدى سنوات للمعركة البرية في جنوب لبنان وأقنع جمهوره بأن البرّ لعبته، وله فيها صولات وجولات. حتى أن الأمين العام السابق حسن نصر الله قال في أحد خطاباته إن حرب إسناد غزة كانت فرصة للبنان لتحرير بقية أراضيه بدءًا من النقطة “ب1” في الناقورة إلى الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا…

لكن الرياح لا تسير كما تشتهي السفن. الحقيقة أن المشهد في جنوب لبنان يدمي القلب، والاحتلال الذي كان يقتصر على 5 نقاط في حرب 2024، تحوّل إلى ما يشبه منطقة عازلة، بعمق 7 إلى 10 كيلومترات. نسف بيوت وأبنية وحكايات من دون رحمة، فالجرافات الإسرائيلية تتنقل في الناقورة والقرى الحدودية محوّلة إياها إلى أرض مهجورة معزولة فارغة من الحياة والبشر والحجر، وكأن أحدًا لم يطأها قبل اليوم.

لقد حاول “حزب الله” إقناع الناس بأن ما يقوم به هو استدراج العدو نحو الداخل لتدميره، لكن مشهد القوات الإسرائيلية وهي تصل إلى مشارف سوق بنت جبيل يقول غير ذلك. فالبطولات الوهمية انتهت بتسليم أجزاء غالية من لبنان لإسرائيل، من دون أن يستطيع “حزب الله” منع ذلك، فالقتال ليس استعراضًا، بل قدرات عسكرية فعلية وتكتيك وتكنولوجيا.

تكتيك إسرائيلي جديد

في هذا الإطار يوضح العميد المتقاعد والخبير العسكري سعيد قزح لـ “نداء الوطن” أن “اعتماد “حزب الله” الأساسي في الجنوب كان على الأسلحة المضادة للدروع التي تطول الدبابات الإسرائيلية (5 كلم لصواريخ الكورنيت، و10 كلم لصواريخ الألماس). إسرائيل استفادت من الدروس السابقة بتطوير تكتيكها وكيفية تقدم قواتها، التي لم تعد تتحرك بوحدات مدرعة إلى الأمام بل عبر مشاة وكومندوس واعتمدت على الفرقة 91 بتقدمها في الخيام ومحيطها وأيضًا في بنت جبيل. وحين يجد المقاتلون أن المعركة باتت ضارية ينسحبون، ليأتي الطيران ويقصف مقاتلي “الحزب” وينسف الأبنية التي يتحصنون بها. بهذه التكتيكات، أفشلت إسرائيل “حزب الله” ودفاعه الذي كان مستعدًا لقتال وحدات مدرعة متقدّمة ولم يجهّز نفسه لسيناريوات أخرى”.

ويوضح قزح: “أصبحت وحدات مشاة الكومندوس الإسرائيلية تتقدم، تشتبك وتقاتل وتدمّر ثم تنسحب ليقوم الطيران بتدمير ما تبقى، وعندها تتقدم المدرعات وتحتل المدن والقرى. هذه الطريقة التي اعتمدتها إسرائيل تناقض خطة القتال التي كان “حزب الله” وضعها وحضر لها”.

ويتابع قزح، “مقاتلو “حزب الله” أُنهكوا تحديدًا في حرب 2024 وعملية البيجرز والملاحقات والاغتيالات التي قامت بها إسرائيل على مدى 15 شهرًا وحتى اليوم، هذا كله أضعف القدرة القتالية لـ “حزب الله” كما تراجع الحشد اللازم للقيام بالعمليات.

أعتقد أن إسرائيل ستكتفي بما حصدته حتى اليوم لا سيما بعد وصولها إلى بنت جبيل. فإذا احتلتها إسرائيل فعليًا تكون قد حققت حزامًا بعمق بين 7 و10 كيلومترات ينطلق من الساحل اللبناني في البياضة مرورًا بشمع وشمال بنت جبيل أي عيناتا وصولاً إلى القطاع الشرقي نحو كفرشوبا. وبذلك تكون إسرائيل قد أمّنت هذه المنطقة العازلة لمنع إطلاق أي صواريخ مضادة للدروع أو أي أسلحة مباشرة يصل مداها إلى 10 كيلومترات من الصف الثاني للتلال الحاكمة حتى المستوطنات الإسرائيلية وبذلك تكون إسرائيل قد أمنت منع تسلل أي مقاتلين من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ومنعت إطلاق أي صواريخ مباشرة”. أما بالنسبة إلى الصواريخ المباشرة المنحنية التي يصل مداها إلى 40 كيلومترًا فيقول العميد “إذا أرادت إسرائيل منع إطلاقها، فعليها أن تصل إلى منطقة نهر الزهراني وهي كانت أنذرت سكان جنوب الزهراني بضرورة الإخلاء. وعليها أيضًا أن تصل إلى منطقة البقاع الغربي وتحتلها لمسافة 40 كيلومترًا عن إسرائيل. وأعتقد أن هذا الأمر يشكل خطرًا ويكلف إسرائيل أثمانًا لا أعتقد أنها مستعدة لها. لذلك من المرجح أن تكتفي بالمنطقة العازلة التي وصلت إليها الآن، لحماية المستوطنات من الأسلحة المضادة للدروع أولًا، إضافة إلى الضغط على الحكومة اللبنانية لإيجاد حل للسلاح غير الشرعي. وإسرائيل لن تنسحب إلا بالتوصل إلى اتفاق أمني يضمن سلامة سكان الشمال الإسرائيلي وتوقيع اتفاقية سلام مع لبنان. وهي تقوم حاليًا بنسف القرى وأبنيتها لعدم عودة السكان إليها”.

بنت جبيل أم المعارك

برزت معركة بنت جبيل 2026 كأحد أبرز المؤشرات على طبيعة المواجهة الجديدة. فوفق معطيات ميدانية متقاطعة، تمكّنت القوات الإسرائيلية خلال أيام قليلة من التقدّم داخل المدينة وتطويقها، وهو تطور لافت نظرًا إلى الرمزية التي تمثلها بنت جبيل في أدبيات “حزب الله” كـ “خط دفاع متقدّم” منذ 2006. ورغم استمرار الاشتباكات داخل بعض الأحياء، فإن سرعة الاختراق الأولي عكست صعوبة في احتواء الهجوم خلال ساعاته الأولى.

لن يختلف اثنان على أن إسرائيل حضرت نفسها للهجوم على لبنان، قبل إطلاق “حزب الله” صواريخه الستة، وقد استدعت جنودًا من الاحتياط للمعركة المرتقبة.

وبحسب مصادر عسكرية، فالتقدم الإسرائيلي اعتمد على ضربات دقيقة طالت مواقع وبنى مرتبطة بـ “الحزب”، ما يدل على مستوى عالٍ من التفوق الاستخباراتي، الذي ينعكس مباشرة على قدرة أي تنظيم مسلح على الحفاظ على تماسكه الميداني. يضاف إلى ذلك، ما حصده “حزب الله” من ضياع في القيادة لا سيما بعد مقتل نصرالله وعدد كبير من القادة، ما أدى إلى ضعف في دائرة القرار وسوء تنسيق بين القيادة والمقاتلين على الأرض.

كما أظهرت المعارك داخل القرى الحدودية أن تكتيكات القتال التقليدية التي يعتمدها “الحزب”، مثل الكمائن والاشتباك القريب داخل الأحياء، لم تكن دائمًا كافية لإبطاء التقدم الإسرائيلي، بخاصة في ظل استخدام كثيف للطائرات المسيّرة والاستطلاع الجوي.

ولا يمكن فصل هذه المعطيات عن السياق الأوسع للحرب غير المتكافئة. فالتفوق العسكري الإسرائيلي، سواء على مستوى سلاح الجو أو القدرات التكنولوجية، لعب دورًا حاسمًا في رسم مسار العمليات.

المصدر: imlebanon

أخبار متعلقة :