كتب مايز عبيد في “نداء الوطن:
قد تكون الحرب محصورة جغرافيًا في بقعة محددة، من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، لكن تداعياتها لا تعترف بالحدود. في الشمال، حيث لا أصوات قذائف ولا مشاهد دمار مباشر، تتشكّل صورة مختلفة للحرب؛ أقل صخبًا، لكنها أكثر استنزافًا في تفاصيل الحياة اليومية.
الأزمات تتوالى على الناس بوتيرة متسارعة، من دون فسحة لالتقاط الأنفاس. الغلاء يسبق كل شيء، والقدرة الشرائية تتراجع بشكل ملحوظ، فيما تبقى المداخيل على حالها أو تتآكل تدريجيًا. لم يعد الراتب يكفي لتغطية الأساسيات — هذا لمن لا يزال لديه راتب أساسًا — وباتت الأولويات تُعاد صياغتها يوميًا وفق ما تفرضه الأسعار المتقلبة.
في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، تظهر الأزمة بأوضح صورها. ربطة الخبز، التي تُعد من أكثر السلع الأساسية ارتباطًا بلقمة العيش، تحوّلت إلى عبء إضافي على العائلات. فمع كل تعديل في سعرها، يجد المواطن نفسه أمام سؤال جديد حول قدرته على تأمين احتياجاته الأساسية، في ظل دخل ثابت يتآكل قيمته الفعلية يومًا بعد يوم. ولا يقتصر الأمر على الخبز وحده، بل يمتدّ إلى كل ما يرتبط به من كلفة معيشية. فالمشوار اليومي بات يُحسب بدقة، بعدما أصبحت أسعار المحروقات عاملًا ضاغطًا مباشرًا على حركة الناس. التنقل لم يعد تفصيلًا عابرًا، بل قرارًا يُدرس قبل تنفيذه، بين ضرورة العمل وكلفة الوصول إليه.
في الأسواق، المشهد واضح: حركة خجولة، وزبائن يكتفون بالسؤال أكثر من الشراء. أما التجّار، ورغم كل الظروف، فيواصلون تسعير السلع وفق إيقاع خاص بهم، يراه المواطن منفصلًا في كثير من الأحيان عن الواقع الفعلي للقدرة الشرائية، ما يزيد من حدّة الفجوة بين ما يُعرض في السوق وما يمكن تحمّله فعليًا. وبين هذا وذاك، يقف المواطن أمام خيارات محدودة، يحاول من خلالها التوفيق بين حاجاته وإمكاناته.
في المناطق الزراعية، لا تقل الصورة تعقيدًا. كلفة الإنتاج ارتفعت بشكل لافت، من البذار إلى النقل، فيما بقيت القدرة على التصريف محدودة. يجد المزارع نفسه أمام موسم غير مضمون النتائج، يعمل فيه أكثر ويجني أقل، في ظل سوق غير مستقرة. ورغم أن الحرب لا تدور في هذه المناطق، إلا أن ذيولها حاضرة بقوة. في أسعار المواد، في كلفة النقل، في تراجع الحركة الاقتصادية، وحتى في المزاج العام الذي يزداد قلقًا مع كل تطور. إنها حرب من نوع آخر، تُخاض يوميًا في تفاصيل المعيشة، وتفرض نفسها على فئات لم تكن في صلب المواجهة.
في المقابل، تبدو المعالجات بطيئة، وأحيانًا غائبة عن مواكبة حجم التحديات. فوزارة الاقتصاد رفعت بعض الأسعار واختفت عن متابعة معاناة الناس مع التجّار واحتكارهم، وبينما تستمر التصريحات والتطمينات، يبقى الواقع أقسى، ويزداد الضغط على الناس الذين لم يعودوا يسألون عن الأسباب بقدر ما يبحثون عن حلول. الروتين اليومي بات ثقيلًا إلى حدّ الإرهاق، ضاغطًا على الأعصاب والمعنويات، حتى بات الجميع يتساءل متى تنتهي هذه الحرب التي أتلفت أعصاب الناس وأفقدتهم الإحساس بمعنى الاستقرار والوجود.
في المحصلة، لم تعد المسألة محصورة بمكان وقوع الحرب، بل بمدى تأثيرها على حياة الناس. وفي الشمال كما في سواه، تتجلّى هذه الحقيقة بوضوح: قد لا تكون الحرب هنا، لكن كلفتها اليومية تُدفع بالكامل.
المصدر: imlebanon
أخبار متعلقة :