كتب صلاح سلام في اللواء:
تتسارع مؤشرات التصعيد في المنطقة على وقع التهديدات المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، في مشهد يعكس دخول المواجهة مرحلة أكثر تعقيداً وأشد خطورة. فالتصريحات النارية، والتحركات العسكرية المتزايدة، واتساع رقعة الاشتباك غير المباشر عبر ساحات متعددة، كلها تدل على أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من التوتر والعنف، في ظل غياب أي مؤشرات جدية إلى تسوية سياسية قريبة، أو إلى اقتراب لحظة حسم عسكري سريع.
المعطيات المتوافرة حتى الآن تشير إلى أن الصراع يتجه نحو نموذج «حرب الاستنزاف»، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه الميداني والسياسي قبل أي مفاوضات محتملة. الولايات المتحدة تواصل توجيه رسائل حازمة إلى طهران بأنها لن تسمح بتهديد أمن حلفائها من الدول الخليجية، أو بتغيير موازين القوى في المنطقة، فيما تلوِّح إسرائيل بتوسيع عملياتها العسكرية لمنع حزب الله والفصائل الفلسطينية والعراقية من تثبيت قدراتهم العسكرية. في المقابل، تراهن إيران على شبكة حلفائها الإقليمييِّن وعلى ما تسمِّيه «وحدة الساحات» لتوسيع دائرة الضغط، وإرباك خصومها عبر إستمرار القصف وإطلاق المسيَّرات على الجيران الخليجيِّين.
في ظل هذه الدوامة المعقدة من التصعيد، تبدو الحرب مرشحة للاستمرار لأشهر عدة، خصوصاً أن أياً من الأطراف الرئيسية لا يُظهر استعداداً للتراجع، أو لتقديم تنازلات سياسية جوهرية في هذه المرحلة. وهذا ما يفسر ارتفاع وتيرة العمليات العسكرية وتزايد احتمالات اتساع رقعة المواجهة تدريجياً، بما قد يحوّل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات النفوذ الإقليمي.
في قلب هذا المشهد يقف لبنان بوصفه أحد أكثر البلدان عرضة لدفع ثمن هذه المواجهة. فبعد تورُّط حزب الله في الحرب الدائرة، لم يعد لبنان يقف على هامش الصراع، بل أصبح جزءاً من معادلاته الميدانية. غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذا الانخراط لم يكن نتيجة قرار وطني صادر عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، بل جاء نتيجة قرار منفرد اتخذه الحزب، الأمر الذي وضع البلاد بأكملها في موقع المواجهة دون توافق وطني، ودون قدرة فعلية للدولة على إدارة تداعيات هذا القرار الخطير، سواءٌ على مستوى التدمير أم بالنسبة لتداعيات التهجير.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل الدور الذي يلعبه الحرس الثوري الإيراني في دفع هذا المسار التصعيدي في لبنان، وعلى حساب أمن وإستقرار الشعب اللبناني، وخاصة بيئة حزب الله والطائفة الشيعية بشكل خاص. لم يعد خافياً أن انخراط حزب الله في المواجهة يأتي في إطار استراتيجية أوسع يقودها المحور الإيراني في المنطقة. محوِّلاً لبنان مرة أخرى إلى إحدى ساحات الصراع الإقليمي، حيث تُستخدم قدرات الحزب العسكرية كجزء من «معادلة الردع» التي كانت طهران تراهن عليها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
لكن الكلفة الفعلية لهذه المعادلة لا تتحملها إيران، بل يدفع ثمنها اللبنانيون جميعاً. فلبنان الذي يعاني أصلاً من انهيار اقتصادي غير مسبوق يجد نفسه اليوم مهدَّداً بحرب مدمِّرة قد تطال بنيته التحتية ومرافقه الحيوية. وقد بدأت إسرائيل بالفعل توجيه تهديدات مباشرة للدولة اللبنانية، محذِّرة من أنها ستحمِّلها مسؤولية العمليات التي ينفذها حزب الله، وأن الرد قد يشمل استهداف البنية التحتية الأساسية من مطارات وموانئ وشبكات كهرباء واتصالات.
ولكن ليس صحيحاً أن الدولة اللبنانية تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذه التحديات الوجودية. فقد إتخذت الحكومة قرارها الجريء بحصرية السلاح بيد الدولة وإستعادة قرار الحرب والسلم. وعندما أطلق حزب الله صواريخه الأولى من الجنوب إتخذت الحكومة في إجتماعها الإستثنائي صبيحة اليوم التالي قراراً كبيراً وغير مسبوق بتجريد الحزب من شرعيته، وإعتبار أي عمل عسكري يقوم به خارج عن القانون، وتم تكليف الجيش تنفيذ هذا القرار، وبالفعل فقد أوقفت حواجز الجيش عدداً من مناصري الحزب مع سلاحهم، تأكيداً لجدية موقف الدولة اللبنانية القاضي بالنأي بالنفس عن الحرب المشتعلة في المنطقة، والإبتعاد عن صراعات المحاور الإقليمية والدولية.
يعتبر البعض أن الدولة بقرارات الحكومة الحازمة بحصرية السلاح والتمسُّك بقرار الحرب والسلم، وصولاً إلى إعتبار العمليات العسكرية خارجة عن القانون، وتوقيف عدد من عناصر الحرب بمثابة «إعلان حرب رسمية ضد الحزب»، في حين يشدد آخرون على أن قرارات الحكومة هي في الواقع لحماية لبنان من أي عدوان إسرائيلي جديد، على إيقاع التهديدات المتكرِّرة من نتنياهو ووزير دفاعه بإستهداف البنية التحتية في لبنان إذا لم توقف الدولة اللبنانية عمليات الحزب. وهذا من شأنه أن يضع وطن الأرز بين حربَيْن متوازيَيْن: الأولى خارجية مع العدو الإسرائيلي، والثانية داخلية مع حزب الله، لا قدَّر الله.
ولهذا تبدو المرحلة المقبلة شديدة الخطورة، ليس فقط بسبب احتمال اتساع الحرب، بل أيضاً بسبب ما قد تتركه من تحولات سياسية واستراتيجية في المنطقة. أما لبنان، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة، فسيكون أمام تحدٍّ وجوديّ يتمثل في كيفية حماية ما تبقَّى من دولته واستقراره في مواجهة رياح صراع إقليمي لا يملك القدرة على التحكم بمساره أو بنتائجه.
أخبار متعلقة :