موقع دعم الإخباري

بالنسبة للانتخابات… جوهر الخلاف ليس زمنيًّا بل هيكليّ

كتبت د. جوسلين البستاني في “نداء الوطن”:

بموجب القانون الانتخابي النافذ، تُفرَض على المغتربين اللبنانيّين قيود تحدّ من قدرتهم على الاقتراع لِكامل المقاعد البرلمانية البالغ عددها 128 مقعدًا، على نحوٍ مماثل للناخبين المقيمين. وتشير القوى المعارضة لـ”الثنائي الشيعي” إلى أنّ تمكين المغتربين من التصويت لجميع النواب، قد يُحدث تغييرًا جوهريًا في التوازن السياسي. لا سيما أن دوائر الانتشار تُعدّ أقل انسجامًا مع التفضيلات الاستراتيجية لـ “حزب الله” وحركة “أمل”. وعليه، فإن الإبقاء على القيود الحالية المفروضة على اقتراع المغتربين يحدّ من هامش عدم اليقين ويحافظ على قابلية التنبؤ بالنتائج ضمن التوازن القائم.

ينبغي فهم الموقف الحالي لرئيس البرلمان ضمن المنطق الهيكلي لتوازن القوى في لبنان بعد اتفاق الطائف، لا من زاوية إجرائية ضيّقة تتصل بالتوقيت فحسب. فبصفته رئيسًا للبرلمان وزعيمًا لـحركة “أمل” منذ عقود، يضطلع رئيس مجلس النواب نبيه بري بدور محوري في تحديد جدول الأعمال التشريعي، انطلاقًا من موقعه كحارسٍ لـ “بوابة القرار” (Gatekeeping). لذلك، يُعدّ امتناع نبيه بري عن إدراج الاقتراح الموقع من واحدٍ وستين نائبًا بشأن تصويت المغتربين في جدول أعمال البرلمان تعبيرًا عن ممارسة واعية للنفوذ المؤسسي.

في الوقت نفسه، فإنّ إصرار بري على إنجاز الانتخابات في موعدها المحدّد يعكس، ظاهريًا، التزامًا إجرائيًا وانتظامًا دستوريًا. كما أن تصريحه العلني الأخير بأن سفراء “الخماسية” أعربوا عن تفضيلهم تأجيل الانتخابات يضعه في موقع حارس الاستمرارية الديمقراطية في مواجهة ما يُصوَّر كتدخلٍ دولي. وهذا الإطار الخطابي يخدم هدفين متلازمين: فهو يعزّز شرعيّته المحليّة، ويستبق في الوقت نفسه الانتقادات التي قد تُوجَّه إلى المحور الحاكم بأنه يدرس خيار التأجيل لأسباب تكتيكية.

ومع ذلك، فإنّ جوهر النزاع ليس زمنيًّا بل هيكلييّ. فالمشكلة تكمن في بنية قانون الانتخابات البرلمانية وانعكاساته على التمثيل. فإذا مُنح الناخبون في الانتشار مساواة كاملة في الاقتراع، قد يتبدّل توزيع احتمالات النتائج، ولا سيما في الدوائر الانتخابية التنافسية حيث يؤثّر حسم المقاعد الهامشية في رسم حسابات التحالفات الأوسع نطاقًا. ومن منظور حركة “أمل” و “حزب الله”، اللذين يتعزز نفوذهما عبر تعبئة انتخابية منضبطة وتمركز جغرافي واضح، فإن الإبقاء على القيود الحالية المفروضة على اقتراع المغتربين يحدّ من هامش عدم اليقين ويحافظ على قابلية التنبؤ بالنتائج ضمن التوازن القائم.

ويزيد البعد الأمني من تعقيد المشهد، إذ يمكن النظر إلى استشهاد نبيه بري بادعاء تفضيل دول “الخماسية” تأجيل الانتخابات ورفضه للمقترح نفسه، كدرع بلاغي يحوّل الانتباه من الأبعاد الأمنية الحساسة إلى التركيز على الدقة الإجرائية واحترام المواعيد الدستورية. كما يتيح له ذلك تعزيز موقعه في الساحة السياسية دون مواجهة مباشرة مع النقاط الخلافية الكبرى، أي النقاش الأوسع حول التسلسل الزمني: هل يجب أن يسبق نزع السلاح واستعادة سيادة الدولة التجديد الانتخابي، أم العكس؟

أمّا في سياق إدارة النفوذ، فإنّ الإصرار على إجراء الانتخابات في موعدها مع رفض تعديل القانون يندرج ضمن آلية احتواء مزدوج. أولًا، فهو يُحيد الاتهامات بأن الائتلاف الحاكم يخشى صناديق الاقتراع. ثانيًا، يمنع أي تغييرات على آلية التصويت قد تعيد ضبط التمثيل بطرق تُضعف احتكار “الثنائي الشيعي”. ومن منظور نظرية الألعاب (Game Theory)، يعمل نبيه بري على تعظيم المكاسب من خلال تأكيد الالتزام بقواعد اللعبة نفسها.

وبالتالي، لا ينبغي تفسير النزاع على أنه خيار ثنائي بين إجراء الانتخابات أو تأجيلها. المُتغيّر الفعّال هو التصميم المؤسسي، وتحديدًا منح حق التصويت للمغتربين وتفاعله مع توزيع المقاعد في لبنان. ومن خلال التركيز على الجدول الزمني وتهميش مقترحات الإصلاح، يخلق نبيه بري حالة من الخلط التحليلي، بحيث يتحوّل النقاش إلى مسألة الدقة الدستورية بدلًا من العدالة الانتخابية. والسؤال الأعمق هو: إلى متى ستسمح هندسة البرلمان اللبناني بعرقلة النقاش حول التنافس الانتخابي نفسه؟

خلاصة القول، إنّ تموضع بري يجمع بين ضبط الأجندة، وتأطير السردية، والحفاظ على توزيعات القوة القائمة. فالإصرار على إجراء الانتخابات “في موعدها” لا يعكس دفاعًا مبدئيًا عن الإيقاع الديمقراطي بقدر ما يشكّل مناورة محسوبة للإبقاء على بنية قانونية تحمي الثقل السياسي لـحركة “أمل” و “حزب الله” في ظل استمرار اختلال التوازن الأمني وعدم حسم مسألة نزع السلاح غير الشرعي.

أخبار متعلقة :