كتب عيسى يحيى في “نداء الوطن”:
إذا كانت الدولة اللبنانية عاجزة عن تصريف مواسم التفاح والبطاطا، فكيف ستدير قطاعًا أكثر تعقيدًا وحساسية كالقنب الهندي؟ فالمشكلة ليست في تشريع الزراعة أو تنظيمها، بل في قدرة الدولة على تحويل هذا الملف من فرصة اقتصادية طال انتظارها إلى قطاع منتج، بدلا من أن يتحوّل إلى باب جديد للمحسوبيات وتقاسم المصالح.
بالنسبة إلى بعلبك الهرمل، لا يتعلّق الأمر بنبتة فحسب، بل بمنطقة أنهكها الحرمان وتراجعت فيها فرص العمل، فيما بقي المزارع أسير مواسم متقلّبة وأسواق لا تضمن له تصريف إنتاجه. لكن بين الوعود التي يحملها مشروع الذهب الأخضر والآليات التي يجري إعدادها لإدارته، تبرز مخاوف جدية من أن تكون حصّة الشركات وأصحاب المصالح أكبر من حصّة المزارعين أنفسهم.
المشكلة تبدأ من الهيئة الناظمة، فإدارة هذا القطاع لا تحتمل التعيينات القائمة على المحاصصة، ولا يمكن التعامل معه باعتباره ملفًا إداريًا عاديًا. نحن أمام صناعة طبية تحتاج إلى خبرات زراعية وعلمية ورقابية متخصّصة، تبدأ من اختيار البذور ولا تنتهي عند ضبط الإنتاج والتصنيع والتصدير. والأخطر أنّ الهيئة المعنية بتنظيم القطاع لا تضمّ في تركيبتها أحدًا من أبناء بعلبك الهرمل، المنطقة التي تحمّلت تاريخيًا أعباء هذه الزراعة، فيما يُفترض أن تكون حاضرة في النقاشات التي ترسم مستقبلها.
من يضبط البذرة ويحمي الإنتاج؟
يقول الدكتور حنا الخوري لـ “نداء الوطن”: “حين نتحدّث عن القنب الهندي للاستخدامات الطبية، لا نتحدّث عن زراعة الحشيشة التقليدية وبيعها، بل عن صناعة لها معاييرها العلمية والتقنية الصارمة. فالصنفان “ساتيفا” (Sativa) و”إنديكا” (Indica) يختلفان في خصائصهما وتركيبتهما، وأيّ حديث عن زراعة طبية منظّمة يجب أن يستند إلى معايير واضحة لا إلى تقديرات عامة أو وعود فضفاضة. أمّا مسألة التهجين والعزل الزراعي، فتحتاج إلى تقييم علمي يحدّد الشروط الفعلية لكلّ صنف، بعيدًا عن الاجتهادات غير المدروسة”.
وتابع: “هنا يدخل العامل الأكثر حساسية: شركات الأدوية، ومن سيحصل على التراخيص؟ وعلى أيّ أساس ستُختار الشركات؟ وهل ستكون الأولوية للمؤسسات التي تمتلك الخبرة والقدرة على التصنيع الطبي والالتزام بالمعايير، أم سنشهد ولادة شركات جديدة تُفصّل لها التراخيص على قياس العلاقات والمحسوبيات؟”.
وختم بأنّ منح التراخيص يجب أن يخضع لمعايير معلنة ورقابة صارمة، وبالتنسيق مع الجهات الرسمية المختصّة، وفي مقدّمتها وزارة الصحة، بما يضمن جدية المستثمرين وقدرتهم الفعلية على شراء الإنتاج وتصنيعه. فالمطلوب ليس فتح سوق جديدة أمام أصحاب الرساميل، بل بناء قطاع زراعي وصناعي يعود بالنفع على المنطقة ومزارعيها.
“ازرعوا وبعدين بنبيع” وصفة للفشل
أخطر ما يمكن أن يحصل هو أن يُترك المزارع أمام المجهول، فيزرع أوّلا ثم يبدأ البحث عن مشتر لمحصوله، كما حدث في بعلبك الهرمل خلال اجتماع بين المزارعين والهيئة الناظمة، وقال لهم رئيسها: “ازرعوا وبعدين بنبيع”. هذه المعادلة سبق أن اختبرها اللبنانيون في أكثر من قطاع زراعي، وكانت النتيجة في كثير من الأحيان خسائر يتحمّلها المزارع وحده، فيما تبقى الجهات التي شجّعته على الزراعة بعيدة عن المحاسبة.
والحلّ واضح هنا: لا زراعة طبية منظّمة من دون عقود مسبقة تربط المزارع بشركة مرخّصة، تحدّد الصنف المطلوب وكميات الإنتاج وشروط الجودة وآلية التسليم والشراء، وتتولّى الجهات المختصّة مراقبة مراحل الزراعة والإنتاج، بما يمنع تحوّل المحصول غير المصرّف إلى مادة تتسرّب نحو السوق السوداء.
وإلّا فما الجدوى من منح المزارع رخصة قانونية إذا لم يكن لديه مشترٍ مضمون؟ ومن يتحمّل الخسارة إذا أنتج محصولا لا تتوافر له شروط التصنيع أو لم توافق أيّ شركة على شرائه؟ ترك هذه الأسئلة بلا أجوبة يعني تعريض المزارع للخطر، وفتح الباب أمام سوق سوداء موازية تستفيد من ثغرات النظام الجديد، وعندها لن نكون أمام تنظيم ناجح للقطاع، بل أمام فوضى تكتسب غطاءً قانونيًا.
بعلبك الهرمل ليست تفصيلا في مشروعها
والسؤال الأساسي الذي لا يمكن تجاوزه: كيف يُرسم مستقبل قطاع ارتبط تاريخيًا ببعلبك الهرمل من دون إشراك أبناء المنطقة وفعالياتها وخبرائها في النقاش؟ لا يتعلّق الأمر بالمطالبة بحصّة طائفية أو مذهبية في التعيينات، بل بحقّ المنطقة المعنية مباشرة بالملف في أن يكون لها صوت في صياغة سياساته وآليات تطبيقه.
وهنا المطلوب من رئيس الحكومة الدعوة إلى لقاء موسّع يضمّ ممثّلين عن المزارعين والبلديات والفعاليات المحلية والخبراء، للاستماع إلى هواجسهم قبل إقرار المراسيم التنظيمية. فالمعرفة بواقع الأرض ومشكلاتها ليست تفصيلا يمكن الاستغناء عنه، كما أنّ نجاح المشروع لا يُقاس بما تحقّقه الإدارة المركزية أو الشركات، بل بما ينعكس فعليًا على حياة الناس في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز أيضًا أسئلة حول الدور الذي تضطلع به وزارة الزراعة، ومدى وضوح حدود صلاحياتها وعلاقتها بالهيئة الناظمة وسائر الجهات المعنية. فالمطلوب إدارة مؤسساتية شفافة، لا تداخل في الصلاحيات ولا احتكار للقرار، ولا مجال لترك الانطباع بأنّ جهة واحدة تمسك بكلّ خيوط الملف بعيدًا عن الرقابة والمساءلة.
من الزعفران واللافندر إلى الذهب الأخضر
ليست بعلبك الهرمل غريبة عن تجارب استبدال الزراعات، فقد شهدت محاولات لإدخال محاصيل مثل الزعفران واللافندر، لكنّ تلك التجارب لم تحقّق النتائج الموعودة على نطاق يغيّر واقع المزارعين. واليوم أمام القنب الهندي فرصة مختلفة، شرط ألّا يُعاد إنتاج الأخطاء نفسها تحت عناوين جديدة.
أمّا الاتفاق مع الشركة الصينية مؤخرًا بقيمة عشرة ملايين دولار، بينها أربعة ملايين للمعدّات وستة ملايين للمساعدات الفنية ونقل التكنولوجيا إلى مختبر الجامعة اللبنانية في الدكوانة، وما يتّصل بحماية الملكية الفكرية لجينات القنب اللبناني، فيمكن أن يشكّل خطوة تقنية مهمّة. لكنّ الاتفاق، مهما بلغت قيمته، لا يكفي وحده لضمان نجاح المشروع، فالمختبرات والتكنولوجيا لا تصنعان قطاعًا ناجحًا إذا كانت المراسيم معقّدة، والتراخيص غامضة، وعقود الشراء غير مضمونة.
في النهاية، ليس الاختبار الحقيقي في إطلاق مشروع القنب الهندي ولا في حجم الاتفاقات الموقّعة باسمه، بل في الجهة التي ستجني ثماره. إمّا أن يكون المزارع البقاعي شريكًا فعليًا في صناعة جديدة توفّر له دخلًا مستقرًا، وإمّا أن تتحوّل أرضه إلى قاعدة إنتاج، فيما تذهب الأرباح إلى الشركات وأصحاب المصالح.
أخبار متعلقة :