كتب سعد الياس في “القدس العربي”:
يشهد لبنان مرحلة شديدة التعقيد: مفاوضات معلّقة بين لبنان وإسرائيل حتى 20 تشرين الأول في مدينة تامبا في فلوريدا، ميدان جنوبي لا يزال ساخناً، جيش لبناني يُراد له أن يكون عنوان استعادة سلطة الدولة، وقوة «اليونيفيل» تستعد لإنهاء مهمتها في مرحلة قد تكون من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الجنوب.
والسؤال المطروح هو هل ستستطيع جولة المفاوضات الجديدة أن توقف احتمالات التصعيد الإسرائيلي والتقدم نحو إقليم التفاح ومرتفعات جبل الريحان وسجد، أم أن الميدان سيبقى يرسم حدود التفاوض؟ حيث أن الضربات الإسرائيلية مستمرة في الجنوب، فيما أعلنت إسرائيل انتهاء انتشار لواء غولاني الذي كان موجوداً هناك منذ أشهر.
هنا تكمن المفارقة اللبنانية: طاولة التفاوض تُحضَّر فيما لا يزال صوت التفجيرات والغارات حاضراً على الأرض. ومنذ إقرار «اتفاق الإطار» في حزيران/يونيو، بدا أن هناك مساراً يمكن أن يقود إلى ترتيبات أمنية وسياسية جديدة. لكن هذا المسار تعثر، وبقيت الملفات الأكثر حساسية عالقة، وفي مقدمها الانسحاب الإسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني، حصرية السلاح بيد الدولة، وآليات التحقق من تنفيذ الالتزامات.
وفي واشنطن، طرح رئيس الحكومة نواف سلام بوضوح الحاجة إلى جدول زمني واضح لتنفيذ الاتفاق، مشدداً على مبدأ التبادلية، بحيث تتقدم خطوات الانسحاب الإسرائيلي بالتوازي مع بسط سلطة الدولة اللبنانية واحتكارها للسلاح. كما دعا إلى آلية موثوقة للتحقق من تنفيذ الالتزامات من جانب الأطراف. وهذه المسألة هي جوهر المرحلة المقبلة، فلبنان لا يريد أن يُطلَب منه تنفيذ التزاماته فيما يبقى الانسحاب الإسرائيلي مؤجلاً، في وقت تشترط إسرائيل لانسحاب جيشها نزع سلاح «حزب الله» وعدم عودته إلى المناطق الحدودية. وهذا ما يضع «اتفاق الإطار» أمام معادلة شديدة الدقة: من يبدأ أولاً؟ وأي دور للجيش اللبناني الذي هو جزء رئيسي في المعادلة وفي بسط سلطة الدولة ونزع السلاح؟
وإذا كان رئيس الجمهورية العماد جوزف عون دعا المجتمع الدولي من باريس إلى دعم الجيش وتمكينه من الانتشار وتعزيز سلطة الدولة، فهل ستتم الاستجابة لهذا الدعم في وقت يقتصر التجاوب على بضع آليات عسكرية؟ وكيف سيستطيع الجيش اللبناني ملء الفراغ الأمني في الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل» التي تقع مقراتها ومعظم مراكزها ضمن الخط الأصفر الذي رسمته إسرائيل؟
وهنا تبرز أمام لبنان فرصة، ولكن أيضاً مسؤولية. فكلما تعززت قدرة الجيش على حصرية السلاح وعلى الانتشار في مناطق تجريبية جديدة، وفرض سلطة الدولة، كلما حصل تقدم في تنفيذ «إتفاق الإطار»، إذ ما سمعه رئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن هو ضرورة تنفيذ خطوات جدية على الأرض وعدم اقتصار الأمر على قرارات وخطابات.
ومع اقتراب نهاية ولاية «اليونيفيل» آخر هذا العام، يبرز السؤال الأصعب، هل ستتفهم الولايات المتحدة رفض لبنان الفراغ في جنوب لبنان وتعيد النظر بموقفها من مسألة التجديد؟ وفي حال بقي الموقف الأمريكي على حاله مَن سيملأ فراغ «اليونيفيل» علماً أن أداء هذه القوات الدولية لم يكن بالمستوى المطلوب، إذ إن الترسانة العسكرية لـ «حزب الله» وحفر الأنفاق تم تحت أعين هذه القوات على مدى سنوات، ومن هنا يأتي الرفض الإسرائيلي والأمريكي لاستمرار وجودها.
وفيما لا يريد لبنان أن يتحول الجنوب إلى فراغ أمني، تطرح عواصم غربية وأطراف دولية أفكاراً حول ترتيبات انتقالية ودعم أكبر للجيش اللبناني. وقد ظهرت بالفعل مقترحات دولية حول آلية بديلة أو انتقالية للحضور الأمني الدولي بعد «اليونيفيل»، وهذا الملف سيكون حكماً جزءاً من أي تفاوض جدي حول مستقبل الجنوب الذي يبدو غامضاً بعد الوقائع الميدانية الأخيرة وسقوط تلة علي الطاهر الاستراتيجية، بحيث أن الجغرافيا تصبح جزءاً من التفاوض، وكل موقع عسكري، وكل قرية مدمرة أو خالية من أهلها، يمكن أن تتحول إلى ورقة على طاولة المفاوضات. من هنا، فإن 20 تشرين الأول هو أكثر من مجرد موعد جديد لجولة تفاوض، إنه اختبار لأكثر من مسار. فهو اختبار لإسرائيل ولإمكان تحقيق انسحاب من منطقة تجريبية جديدة، وهو اختبار للبنان ومدى قدرته على تثبيت موقع الدولة والجيش باعتبارهما المرجعية الأمنية الوحيدة، كما هو اختبار لـ «حزب الله» وكيفية تعامله مع مسار يربط إنهاء الحرب وترتيبات الجنوب بمسألة حصرية السلاح.
أما الولايات المتحدة فهل ستتمكن من أن تكون وسيطاً وضامناً لتنفيذ الالتزامات المتبادلة، لا مجرد راعٍ لجلسات تفاوض؟
قد تكون طاولة التفاوض المقبلة فرصة جديدة لإبعاد مخاطر توسع الحرب الإسرائيلية وتوظيفها في خدمة مشروع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتخابياً، لكن الفرصة لا تصبح إنجازاً إلا إذا ترافقت مع وقف فعلي للنار، وانسحاب واضح، وانتشار فعّال للجيش، وضمانات دولية، والتزام لبناني بمبدأ حصرية قرار الحرب والسلم بالدولة. فلبنان كما يعلن رئيسه جوزف عون ورئيس حكومته نواف سلام لا يحتاج إلى حرب جديدة، ولا إلى تسوية تُبقيه رهينة الحرب، ولا إلى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار المقبل.
أخبار متعلقة :