موقع دعم الإخباري

الراعي: نريد لبنان دولة لا دويلات

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي قداس الشكر على تطويب البطريرك الياس الحويك، بدعوة من راعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله ورعية حلتا مسقط رأس الحويك.

وبعد الانجيل المقدس، القى البطريرك الراعي عظة قال فيها: “أنتم ملح الأرض…أنتم نور العالم” بهاتين الصورتين البسيطتين، الملح والنور، يختصر الرب يسوع رسالة المؤمن في العالم. فالملح لا يحتاج إلى أن يُرى لكي يكون له أثر، والنور يكفي لكي يهزم الظلمة. الملح يحفظ ويعطي طعمًا، والنور يكشف الطريق ويمنح القدرة على الرؤية.

ولهذا يقول المسيح لتلاميذه إنهم ملح الأرض، ويحذّرهم من أن يفقد الملح ملوحته، ثم يقول لهم انتم نور العالم، لأن المدينة المبنية على جبل لا يمكن أن تُخفى. إنه يريد إيمانًا له أثر، وحضورًا له معنى، وحياةً تشهد لله بما تصنع قبل أن تشهد له بما تقول.

ما أجمل أن نسمع هذا الإنجيل اليوم هنا في حلتا، البلدة العزيزة التي خرج منها الياس الحويّك إلى الكنيسة والوطن، ثم يعود إليها اليوم طوباويًا في ذاكرة أبنائها ووجدانهم. من هذه الأرض بدأت خطواته الأولى، ومنها حمل معه إيمان البيت وصلابة الجذور. خرج من بلدة صغيرة حلتا، لكن الله وسّع أمامه الرسالة؛ ومضى ابنًا لهذه البلدة، فأصبح راعيًا لكنيسة، وصوتًا لشعب، ورجلًا لوطن، وطوباويًّا في السماء.

واليوم لا تأتي حلتا لتفتخر بابنها وحسب، بل لتشكر الله عليه. ونحن معها لا نحتفل باسم دخل سجل الطوباويين فقط، بل بحياة أثبتت أن الإنسان، عندما يسلّم ذاته لله، يستطيع أن يصبح نعمةً تتجاوز حدود قريته وزمنه. من حلتا التي أعطته جذوره، إلى الكنيسة التي أعطاها قلبه، إلى لبنان الذي حمل قضيته، وبقي أمينًا للكلمة التي اختصر بها حياته: «إلهي رضاك»”.

وحيا “أبناء حلتا، هذه البلدة البترونية الوادعة، المتجذرة في أرضها وإيمانها، بطابعها القروي الأصيل وبيوتها وعائلاتها التي حافظت على روح الانتماء والمحبة. فهنيئًا لأبناء هذه البلدة، وهنيئًا لنا جميعا ولكم، وهنيئًا للكنيسة ولبنان بهذه النعمة. ولعلّ أجمل وفاء نقدمه اليوم للطوباوي مار الياس الحويّك ليس أن نحفظ اسمه في الذاكرة وحسب، بل أن نحفظ شيئًا من روحه في حياتنا، وأن يبقى إيمانه حاضرًا في البيوت، وقيمه حيةً في الأجيال، وحبه لله والإنسان والوطن أمانةً تتناقلها الأجيال.

لقد كان البطريرك الحويّك أكثر من راعٍ كنسي. كان رجل رؤية ووطن، جمع في شخصه قداسة الراعي، وحكمة القائد، وجرأة المدافع عن شعبه. حمل همّ الإنسان قبل همّ المؤسسة، ورفع صوت لبنان في المحافل الدولية، فكان إيمانه يصنع رجاءً، وحكمته تبني جسورًا، وثباته يسهم في رسم ملامح لبنان الكبير.

كان رجل الله، ورجل العناية الإلهية، وعرّاب لبنان الكبير، زخر الكنيسة وفخر الوطن. عاش تحت شعار لم يكن مجرد عبارة يرددها، بل قاعدةً لحياته: «إلهي رضاك». كان ملحًا لأنه دخل إلى عمق آلام شعبه، وحفظ الرجاء حين كان اليأس أسهل، ودافع عن كرامة الإنسان عندما كانت مهددة. وكما يذوب الملح لكي يؤدي رسالته، ذاب هو في الخدمة، فلم يجعل ذاته محورًا، بل جعل الإنسان والكنيسة والوطن في قلب رسالته.

وكان نورًا لأنه لم يكتفِ بأن يعرف الحقيقة، بل امتلك شجاعة الشهادة لها. أضاء في الكنيسة بحكمة الراعي، وفي المجتمع بخدمة الإنسان، وفي التربية برؤيته إلى المستقبل، وفي الوطن بثباته على حق لبنان في الحياة والكرامة.

كان ملحًا فحفظ، وكان نورًا فدلّ. حفظ إيمان شعبه ورجاءه وحقه في وطن، ودلّ إلى طريق لا يفصل الله عن الإنسان، ولا الإيمان عن المسؤولية، ولا الكنيسة عن خدمة المجتمع والوطن. وكان اتكاله على العناية الإلهية اتكال العامل لا المنتظر. صلّى وعمل، وثق بالله وتحمل مسؤوليته، وآمن بأن الله يفتح الطريق، لكن الإنسان مدعو إلى السير فيه.”

وتابع: “أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم». من بلدة الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك، تأخذ هذه الكلمة اليوم بُعدًا وطنيًا خاصًا. ففي حضرة هذا الطوباوي لا يمكن أن نتحدث عن القداسة من دون أن نتحدث عن لبنان. فالحويّك لم يفصل إيمانه عن وطنه، ولم يجعل الصلاة بديلًا عن المسؤولية؛ اتكل على العناية الإلهية، لكنه دخل في قلب قضايا شعبه، وحملها ودافع عنها.

وفي زمن يعاني فيه لبنان من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ومعيشية، يطل علينا الحويّك شاهدًا على حاجة الوطن إلى رجال دولة يملكون وضوح الرؤية، ونزاهة الضمير، وشجاعة القرار؛ يعرفون أن الموقع تكليف لا امتياز، وأن السلطة خدمة لا ملكية، وأن الإنسان هو الغاية الأولى من وجود المؤسسات.

أن يكون المسؤول ملحًا يعني أن يحفظ المؤسسة من الفساد، ويصون المال العام ويحترم القانون؛ وأن يكون نورًا يعني أن تكون الحقيقة أساس مواقفه، والشفافية قاعدة عمله، والمسؤولية ميزان قراره. فالدولة تستعيد ثقة شعبها عندما تعمل مؤسساتها، ويصبح الحق حقًا للجميع لا امتيازًا للبعض”.

وأردف: “من هنا، من أرض الحويّك، تصل رسالته إلى المسؤول كما إلى المواطن: عودوا إلى الله، عودوا إلى الحقيقة، وعودوا إلى معنى المسؤولية. أنتم ملح هذه الأرض، وأنتم نور هذا الوطن.

لقد اتكل الحويّك على العناية الإلهية، لكنه لم يطلب منها أن تقوم بما كان عليه هو أن يقوم به هو. وثق بالله ثم عمل، وحمل القضية وثابر وفاوض. هذا هو الدرس الذي يحتاج إليه لبنان اليوم: العناية الإلهية لا تلغي مسؤوليتنا، بل توقظها؛ والرجاء ليس انتظار المستقبل، بل العمل من أجله. فلا نقيس لبنان بحجم أزماته. لبنان كبير برسالته، وسيبقى كبيرًا بعناية الله، وبإرادة أبنائه حين يكونون أوفياء له. هذا لبنان الذي آمن به الحويّك، وهذا لبنان الذي نريده دولةً لا دويلات، وطنًا لا ساحة، رسالةً لا صفقة، وبيتًا يتسع لجميع أبنائه. فلنحفظه بالحق، ولنضئه بالحقيقة، ولنصنع له السلام الذي ينتظره الشعب كله”.

وختم الراعي: “فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء من بلدة الطوباوي الحويّك، ونرفع شكرنا إلى الله على نعمة هذا الابن الذي صار بركة لكنيسته ووطنه: يا رب، بارك هذه البلدة وأهلها وأجيالها، واحفظ لبنان وشعبه وأرضه، وثبّتنا في الحق والسلام والرجاء. وبشفاعة الطوباوي البطريرك مار الياس بطرس الحويّك، اجعلنا دائمًا واثقين بعنايتك وأمناء لرسالتنا. وليبقَ لبنان كبيرًا برسالته ومحفوظًا بعناية الله. آمين”.

أخبار متعلقة :