كتب دريد بشرّاوي في “نداء الوطن”:
تُعدّ حرية الإعلام وحرية التعبير من الركائز الأساسية لأي نظام ديمقراطي، إذ لا يمكن تصور دولة القانون والمؤسسات من دون حرية تداول الأفكار والآراء والمعلومات، ولا يمكن للصحافة أن تؤدي وظيفتها في نقل الأخبار ومراقبة أداء السلطات العامة ونقدها إذا أصبحت ممارسة هذا الدور معرّضة للقيود غير الضرورية أو للملاحقة الجزائية.
ولا تقتصر حماية هذه الحرية على منع الرقابة المباشرة، بل تقتضي أيضًا ألا تتحول القواعد المنظمة للعمل الإعلامي إلى وسيلة غير مباشرة للترهيب أو التضييق أو دفع الصحافي إلى ممارسة الرقابة الذاتية. فالعبرة ليست فقط بما يعلنه القانون من ضمانات، وإنما أيضًا بما يفرضه من قيود، وبطبيعة المسؤولية التي يرتبها، وبالعقوبات التي يقررها، وبالجهة القضائية التي تملك ملاحقة الإعلامي.
ومن هنا، فإن تقييم قانون الإعلام اللبناني الجديد لا يمكن أن يقوم على مجرد تسجيل ما أدخله من تحديثات، كإدخال الإعلام الإلكتروني ضمن الإطار التشريعي، أو إلغاء محكمة المطبوعات والقضاء العسكري، أو إنشاء قضاء مدني متخصص، بل يجب أن يطرح السؤال الأهم:
هل نجح القانون فعلا في الانتقال من منطق العقاب الجزائي للعمل الإعلامي إلى منطق حماية الحرية وتنظيم المسؤولية عنها؟
هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة لأن الاتجاه الذي رافق إعداد القانون تمثل في السعي إلى تحديث التشريع الإعلامي، وتعزيز حرية الإعلام، والحد من العقوبات السالبة للحرية، وإنهاء خضوع القضايا الإعلامية للقضاء العسكري، وإيجاد إطار قضائي يتلاءم مع خصوصية العمل الإعلامي.
غير أن إلغاء محكمة المطبوعات أو القضاء العسكري لا يعني، في حد ذاته، إلغاء الطبيعة الجزائية للمخالفات الإعلامية. فالمعيار الحقيقي هو معرفة ما إذا كان القانون قد أخرج فعلاً الأخطاء والمخالفات الناشئة عن النشر من دائرة التجريم، أم أنه نقلها فقط إلى قضاء آخر مع الإبقاء على العقوبات الجزائية، ولا سيما الحبس.
وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يستخدم المشرّع عبارات واسعة ومطّاطة أو قابلة لتفسيرات متعددة، كالأخبار الكاذبة أو الأضاليل أو المعلومات المضللة أو التحريض أو الكراهية، خصوصاً إذا اقترنت هذه المفاهيم بعقوبات جزائية. فكل غموض في تحديد السلوك المجرّم قد يؤدي إلى توسيع السلطة التقديرية، وإلى أثر رادع يتجاوز الشخص الذي تطاله الملاحقة إلى الصحافة والإعلام عموماً.
وعليه، تقوم هذه الدراسة على معيار أساسي مفاده أن حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة هما الأصل، وأن القيود الواردة عليهما تمثل استثناءً لا يكون مشروعاً إلا في حدود الضرورة.
ومن ثم، ينبغي إخضاع كل قيد لاختبار المشروعية والوضوح، وأن يستند إلى هدف مشروع، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً مع الغاية المتوخاة، وذلك في ضوء المادة 13 من الدستور اللبناني والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن مبدأ الشرعية الجنائية، الذي يقتضي أن تكون النصوص، ولا سيما النصوص التي ترتب مسؤولية جزائية، واضحة ودقيقة وقابلة للتوقع، بحيث يستطيع المخاطب بها أن يدرك، في حدود معقولة، الأفعال المحظورة والعواقب القانونية المترتبة عليها.
والأسئلة المركزية التي تطرح هي:
إلى أي مدى نجح قانون الإعلام الجديد في حماية حرية الإعلام والتعبير؟ وهل تخلّى فعلاً عن النهج التقليدي القائم على التجريم والعقوبات السالبة للحرية، أم أنه أبقى، إلى جانب إصلاحاته المهمة، على بعض عناصر النظام الجزائي التقليدي وعلى قيود قد تتحول، في التطبيق، إلى أدوات للحد من الحرية؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة، تقتضي دراسة قانون الإعلام الجديد ومقاربة أحكامه من خلال ستة محاور مترابطة، تكشف مجتمعةً مدى التوازن الذي أقامه المشرّع بين مقتضيات حماية حرية الإعلام والتعبير وبين القيود والمسؤوليات التي يمكن أن ترد عليها. وتنطلق الدراسة من فلسفة القانون ومدى انسجامها مع الضمانات الدستورية والدولية لحرية التعبير، ثم تبحث في طبيعة القيود التي يفرضها، ونظام المسؤولية والعقوبات الذي يعتمده، ودور القضاء والجهات التنظيمية، وصولاً إلى تقييم أحكامه في ضوء مبادئ الشرعية والوضوح والضرورة والتناسب.
وعلى هذا الأساس، تتوزع الدراسة على ستة محاور رئيسية، أولها: فلسفة القانون ومدى انسجامها مع حرية الإعلام والتعبير.
أولاً: فلسفة القانون — بين حماية الحرية وتنظيمها
ينبغي أن يبدأ تقييم القانون من فلسفته، لا من عدد المواد التي تتضمن ضمانات أو من حداثة المصطلحات التي يستخدمها. فالقانون الإعلامي الحديث يفترض أن تكون وظيفته الأساسية حماية حرية الإعلام وتنظيم ممارستها، لا تنظيم مضمون الخطاب الإعلامي أو تحديد ما يجوز للصحافي قوله تحت طائلة العقاب.
والمبدأ الذي يجب أن يحكم قراءة القانون هو أن المادة 13 من الدستور اللبناني تحمي حرية إبداء الرأي قولاً وكتابة وحرية الطباعة، بينما تحمي المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية الرأي والتعبير ولا تجيز تقييدها إلا وفق شروط محددة: أن يكون القيد منصوصاً عليه في القانون، وأن يستهدف غاية مشروعة، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً معها.
لذلك لا يكفي أن يكون القيد «قانونياً» بالمعنى الشكلي. فالمشرّع لا يملك أن يضع أي قيد يشاء لمجرد أنه ورد في قانون. وكلما اتسع النص، أو استخدم عبارات غير محددة، أو سمح بتجريم الرأي أو التقدير أو النقد، ازدادت الحاجة إلى إخضاعه لتدقيق صارم في ضوء الضرورة والتناسب.
وهنا تكمن الملاحظة الأساسية على فلسفة القانون الجديد. فهو يتضمن بالفعل توجهاً إصلاحياً في بنيته المؤسسية والقضائية، لكنه لا يقطع بصورة كاملة مع فلسفة العقاب.
فبدلاً من الاكتفاء بتنظيم المهنة وتحديد المسؤولية المدنية والمهنية، يبقي القانون على عدد من النصوص ذات الطبيعة الجزائية، وبعضها يرتبط مباشرة بمضمون النشر.
وهذه نقطة لا يجوز التقليل من أهميتها. فالصحافة لا تؤدي وظيفتها الديمقراطية فقط عندما تنقل خبراً محايداً، بل خصوصاً عندما تنتقد السلطة، وتكشف الفساد، وتحقق في أداء المسؤولين، وتطرح الأسئلة المحرجة، وتنتقد السياسات العامة وتنقل الآراء المعارضة.
ومن ثم، يجب أن يتمتع النقد السياسي، ولا سيما نقد المسؤولين والمؤسسات العامة، بهامش واسع من الحماية. ولا يجوز أن يؤدي قانون الإعلام إلى مساواة النقد السياسي بالإهانة أو التشهير أو الاعتداء على الحقوق الشخصية؛ وإلا تحولت حماية الأشخاص إلى حماية السلطة من النقد.
ولا يعني ذلك منح الصحافي حصانة مطلقة. فحرية التعبير ليست حقاً مطلقاً، ويمكن أن يخضع التعبير لقيود عندما يتعلق الأمر بحماية حقوق الآخرين أو الأمن أو النظام العام أو غيرها من الغايات المشروعة. لكن القيد يجب أن يكون استثناءً محدداً، لا قاعدة عامة تسمح للسلطة بإعادة رسم حدود الخطاب المشروع.
ومن هنا، فإن المشكلة الأعمق في القانون ليست مجرد وجود قيود، وإنما اتساع بعضها وغموض بعضها الآخر واقتران بعضها بالعقوبة الجزائية.
كما أن الانتقال من «قانون الصحافة» إلى «قانون الإعلام» يجب ألا يؤدي إلى توسيع دائرة التجريم. صحيح أن التطور التكنولوجي يفرض إدخال المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية والمؤسسات الجديدة في الإطار التشريعي، لكن توسيع نطاق وسائل الإعلام يجب أن يعني توسيع الحماية والتنظيم، لا توسيع دائرة الأشخاص والأفعال المعرضين للملاحقة.
ثانياً: القيود على حرية التعبير ومنظومة التجريم والعقوبات
إذا كانت فلسفة القانون هي نقطة الانطلاق، فإن الاختبار الحقيقي لها يظهر في المواد التي تحدد ما يجوز نشره وما لا يجوز، وفي العقوبات التي تترتب على تجاوز الحدود المقررة.
وتبرز هنا بصورة خاصة المواد 104 و105 و112 من القانون الجديد، إلى جانب مواد أخرى تتصل بتنظيم النشاط الإعلامي.
1ـ أخطر مواضع القانون، النص على عقوبات سالبة للحرية: المادة 104
تمثل المادة 104 من القانون الجديد أهم مواضع الإشكال من زاوية حرية التعبير، ولا سيما بسبب إبقائها على عقوبات سالبة للحرية.
وتنص هذه المادة على ما يلي:
أ ـ يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تحدد بخمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور ولا تتجاوز خمسة عشر ضعفاً، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من حرّض، بواسطة إحدى وسائل الإعلام، على النزاع بين الطوائف أو على العنف ضد الأشخاص أو الجماعات بسبب انتمائهم العرقي أو الديني أو المذهبي أو لونهم أو جنسهم، وفقاً للشروط التي تحددها المادة.
ب ـ يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة تحدد بخمسة أضعاف الحد الأدنى للأجور ولا تتجاوز خمسة عشر ضعفاً، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعمد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية.
ج ـ إذا أدت الأفعال المشار إليها في الفقرة (ب) إلى قتل أو إيذاء أو تعطيل كلي أو جزئي أو تدمير كبير في الممتلكات العامة أو الخاصة، تشدد العقوبة وفقاً لما نصت عليه الفقرة”.
لا تكمن المشكلة في تجريم التحريض الحقيقي على العنف أو الكراهية أو التمييز من حيث المبدأ. فهذه أفعال يمكن أن تبرر تقييد التعبير متى حُددت عناصرها بدقة وثبت القصد والخطر الحقيقي.
المشكلة الأكثر جدية تكمن في الفقرة ب التي تجرّم «اختلاق الأضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية» وتفرض عليها الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات.
فهنا يبرز سؤال الشرعية الجنائية: ما المقصود تحديداً بـ«الأضاليل»؟ وما هو معيار «الخبر الكاذب»؟ ومتى يصبح الخبر «مؤذياً» بالمعنى الجرمي؟ وأين ينتهي الخطأ الصحفي أو التقدير المهني أو التحليل أو الرأي ويبدأ الفعل الجرمي؟
قد تكون عبارة «تعمد» ضمانة مهمة، لأنها تستبعد من حيث الأصل الخطأ غير المقصود، لكنّها لا تحل وحدها مشكلة الوضوح، ولا سيما عندما تكون العقوبة هي الحبس.
والأكثر أهمية أن المخالفة الإعلامية لا ينبغي أن تستوجب الحبس. فإذا كان الضرر ناتجاً عن نشر معلومة غير صحيحة، فالأصل أن يعالج بحق الرد والتصحيح، والتعويض المدني، والغرامة المتناسبة عند الضرورة، والجزاءات المهنية المناسبة. أما إذا تجاوز الفعل ذلك وأصبح جريمة حقيقية، كأن يتضمن تحريضاً مستوفياً لأركان جريمة عنف أو قتل أو تمييز، فلا حاجة إلى إنشاء «قانون عقوبات خاص بالصحافيين»، بل تطبق القواعد العامة للقانون الجزائي.
ومن هنا يمكن صياغة المبدأ بوضوح: المخالفة الإعلامية لا تستوجب الحبس، أما الجريمة الحقيقية فتخضع للقانون الجزائي العام متى اكتملت أركانها.
أما الجمع بين الصفتين، أي إنشاء جريمة إعلامية خاصة ومعاقبة الصحافي عليها بالحبس، فيشكل خروجاً عن الوظيفة الطبيعية لقانون الإعلام ويثير إشكالاً جدياً في الضرورة والتناسب.
2ـ تشديد العقوبة بسبب نتائج النشر
تطرح الفقرة ج من المادة 104 مشكلة إضافية، لأنها تربط تشديد العقوبة بنتائج قد تقع بعد النشر، كالقتل أو الإيذاء أو تعطيل الأشخاص أو تدمير الممتلكات.
ولا يكفي مجرد وقوع النتيجة بعد النشر لقيام المسؤولية المشددة. فلا بد من إثبات جميع العناصر المادية والمعنوية للجريمة والرابطة السببية المباشرة بين السلوك والنتيجة، وإلا تحولت المسؤولية الإعلامية إلى مسؤولية شبه موضوعية عن نتائج قد تكون بعيدة أو غير متوقعة.
أما إذا كان المنشور يتضمن في ذاته تحريضاً جنائياً مستوفياً لعناصر الجريمة، فتقوم المسؤولية على أساس التحريض ذاته، لا لمجرد أن نتيجة وقعت بعد النشر.
3ـ المادة 105 واستمرار الطبيعة الجزائية لقضايا النشر
ترتبط المادة 105 من القانون الجديد بمنظومة المسؤولية الناشئة عن النشر، ولا سيما في ما يتعلق بالقدح والذم والتحقير وسائر الأفعال التي قد تترتب عليها مسؤولية قانونية بسبب مضمون المنشور.
وتثير هذه المادة مسألة أساسية تتعلق بمدى وضوح التحول الذي أراده المشرّع من نظام المسؤولية الجزائية عن النشر إلى نظام يقوم، في الأصل، على المسؤولية المدنية والمهنية.
فالمهم ليس فقط معرفة النصوص التي أُلغيَت صراحةً، وإنما أيضاً التحقق مما إذا كانت بعض الأفعال التي كان القانون السابق يجرّمها لا تزال قابلة للملاحقة الجزائية بموجب أحكام أخرى من القانون الجديد أو بموجب الإحالة إلى نصوص جزائية قائمة.
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين أمرين: فالضرر الذي يلحق بالغير نتيجة النشر، كالمساس بالسمعة أو الاعتبار، يمكن أن يرتب مسؤولية مدنية تقتضي التعويض أو غيره من وسائل جبر الضرر؛ أما السلوك الذي يشكل جريمة جزائية مستقلة، فلا يجوز تجريمه أو معاقبته إلا استناداً إلى نص جزائي واضح ومحدد، تتوافر فيه أركان الجريمة وشروط المسؤولية والعقوبة وفقاً لمبدأ الشرعية الجنائية.
ومن ثم، فإن السؤال الذي تطرحه المادة 105 ليس مجرد سؤال حول إلغاء بعض العقوبات، وإنما حول ما إذا كان القانون الجديد قد أحدث تحولاً حقيقياً في فلسفة المسؤولية عن النشر، أم أن التجريم الجزائي لا يزال قائماً بصورة مباشرة أو غير مباشرة بما يحدّ من الأثر الإصلاحي للقانون.
4ـ المادة 104: خلط مفاهيم مختلفة
تثير المادة 104 من القانون الجديد إشكالية خاصة عندما تجمع، في إطار حكم واحد، بين التحريض على الكراهية والتمييز وبين «اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة». وتكمن المشكلة هنا في أن هذه الأفعال ليست من طبيعة قانونية واحدة، ولا تقوم على العناصر أو المعايير ذاتها.
فالتحريض على الكراهية أو التمييز أو العنف يفترض وجود خطاب يتجاوز مجرد التعبير عن رأي أو نقل معلومة إلى الدعوة أو الدفع نحو سلوك عدائي أو تمييزي أو عنيف. أما نشر معلومة غير صحيحة، مهما كانت درجة عدم دقتها أو خطورتها، فهو مفهوم مختلف من حيث طبيعته وأركانه، ولا يتحول بمجرد كونه غير صحيح إلى «تحريض» على الكراهية أو التمييز. ولذلك فإن جمع الفعلين في نص جزائي واحد قد يؤدي إلى توسيع غير مبرر لنطاق التجريم، وإلى خلط معيار التحريض بمعيار صحة المعلومات.
وتؤكد المادة 20/2 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أن الحظر لا ينصرف إلى مجرد التعبير عن أفكار أو آراء مسيئة أو صادمة، وإنما إلى الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف. ومن ثم، فإن معيار التجريم ينبغي أن يرتبط بوجود عنصر التحريض ذاته، لا بمجرد كون الخطاب مثيراً للجدل أو المعلومة غير صحيحة.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في مجال الإعلام، لأن حرية التعبير تحمي، في الأصل، نطاقاً واسعاً من الآراء والمعلومات، بما فيها تلك التي قد تكون صادمة أو مخالفة أو مثيرة للجدل. وقد أكدت لجنة حقوق الإنسان أن حرية التعبير تشمل الخطاب السياسي والتعليق على الشؤون العامة والصحافة، وأن القيود عليها يجب أن تظل ضمن الحدود الضيقة التي يجيزها العهد.
ولا تقتصر الملاحظة على الجانب النظري؛ فقد انتقدت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، في رأيها بشأن مشروع القانون السابق، إدراج عبارة «اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة» في المادة 112، معتبرةً أن ذلك يخلط بين أفعال تختلف في طبيعتها وأركانها، كما حذرت من التداخل مع جرائم أخرى في قانون العقوبات ومن مخاطر الازدواجية وعدم الوضوح التشريعي. وأوصت الهيئة بحذف هذه العبارة من المادة 112، وقصر التجريم على الأفعال التي تستوفي عناصر التحريض على التمييز أو العداوة أو العنف.
ومن هنا، فإن الإشكالية لا تكمن في مبدأ مكافحة خطاب الكراهية أو التحريض، الذي يمكن أن يجد أساساً مشروعاً في القانون الدولي، وإنما في الصياغة التشريعية التي تجمع بين التحريض ومجرد نشر الأخبار الكاذبة أو «اختلاق الأضاليل». فهذه الأخيرة عبارات واسعة وغير منضبطة بما يكفي، وقد تتيح تفسيراً يمتد إلى الخطأ الصحفي، أو المعلومة المختلف على صحتها، أو حتى التقدير أو الرأي السياسي، بما يهدد مبدأ الشرعية الجنائية وقابلية النص للتوقع.
لذلك، تقتضي المادة 104 صياغة أكثر دقة تفصل بوضوح بين الأفعال المختلفة، بحيث يقتصر التجريم على التحريض الفعلي على الكراهية أو التمييز أو العنف، مع تحديد عناصره بصورة واضحة، في حين لا تتحول عبارات مثل «الأضاليل» و«الأخبار الكاذبة» إلى مدخل عام لتجريم التعبير أو معاقبة الصحفي بسبب تقييم قابل للنقاش لصحة المعلومات التي نشرها.
ثالثاً: المسؤولية المدنية والقضاء — هل تغيرت طبيعة المسؤولية فعلاً؟
كان يفترض أن يشكل القانون الجديد انتقالاً واضحاً من منطق العقاب الجزائي إلى منطق المسؤولية المدنية والمهنية. لكن هذا الانتقال لم يكتمل.
فإبقاء المادة 104، ولا سيما فقرتيها (ب) و(ج)، على عقوبات حبسية يعني أن القانون لم يتخلَّ عن فكرة التجريم الجزائي للعمل الإعلامي، حتى لو خفف من مظاهرها الأخرى.
والفارق جوهري بين نظام يجعل المسؤولية المدنية هي الأصل ونظام يبقي على المسؤولية الجزائية إلى جانبها. ففي الأول يكون الهدف جبر الضرر وحماية الحقوق من خلال الرد والتصحيح والتعويض؛ أما في الثاني فيظل الصحافي معرضاً لسلطة العقاب الجنائي بسبب ممارسة التعبير.
ولا يعني ذلك أن الصحافي يجب أن يكون بمنأى عن المسؤولية. بل على العكس، يمكن مساءلته عندما يعتدي فعلاً على حقوق الغير، لكن يجب أن تكون المسؤولية متناسبة مع طبيعة الفعل.
ومن هذه الزاوية، كان يفترض أن تكون الوسائل الأساسية هي:
· حق الرد والتصحيح؛
· التعويض عن الضرر؛
· الغرامات المتناسبة عند الضرورة؛
· الجزاءات المهنية؛
· والتدابير التنظيمية المحدودة.
أما الحبس، فينبغي أن يبقى خارج نطاق المخالفات الإعلامية، وألا يستخدم إلا حيث يكون الفعل قد تجاوز ممارسة التعبير إلى جريمة عامة حقيقية مكتملة الأركان.
القضاء والاختصاص
أدخل القانون الجديد تغييراً مهماً في تنظيم الاختصاص القضائي، إذ ألغى محكمة المطبوعات وأنهى اختصاص القضاء العسكري في القضايا الإعلامية، وأخضع هذه القضايا لاختصاص قضاء مدني متخصص.
وإذا كان إنهاء اختصاص القضاء العسكري في القضايا الإعلامية يمثل تطوراً إيجابياً ينبغي تأييده، فإن إلغاء محكمة المطبوعات يثير، في المقابل، تحفظاً من زاوية حماية حرية الإعلام والتعبير. فخصوصية هذا الحق كانت تبرر وجود قضاء إعلامي متخصص ومستقل، ولم تكن المشكلة في مبدأ التخصص القضائي أو في الطبيعة الاستثنائية لهذا القضاء، وإنما في ضرورة إصلاح نظام المسؤولية والعقوبات التي يخضع لها الصحافي، وفي مقدمتها العقوبات السالبة للحرية.
وكان يمكن، لذلك، الحفاظ على قضاء إعلامي متخصص مع إلغاء الحبس والعقوبات السالبة للحرية، وتعزيز ضمانات استقلال القضاء وحياده، وقصر الملاحقة على الحالات الاستثنائية، بما يجعل خصوصية القضاء وسيلة لحماية الحرية لا أداة لتقييدها.
ومن ثم، فإن نقل الاختصاص من محكمة إلى أخرى لا يكفي وحده لتقييم الإصلاح القضائي. فالسؤال الأهم ليس فقط أمام أي قضاء يحاكم الصحافي، وإنما ما طبيعة المسؤولية التي ينظر فيها هذا القضاء، وما هي القيود والعقوبات التي يمكن أن تترتب عليها؟
اذا كان القضاء المدني المتخصص سيحكم في منازعات مدنية، فإن الإصلاح يكون جوهرياً. أما إذا كان سيحاكم الإعلامي على جرائم إعلامية ويفرض عليه عقوبات جزائية سالبة للحرية، فإن التغيير يكون، إلى حد كبير، تغييراً في الجهة التي تحاكم وليس في طبيعة النظام الذي يخضع له الإعلامي. بل يثير ذلك إشكالية قانونية أساسية تتعلق بالاختصاص؛ إذ إن إسناد مسائل الإعلام وحرية التعبير إلى قضاء مدني، مع منحه صلاحية الحكم بعقوبات جزائية حارمة للحرية، يخلّط بين الاختصاص المدني والاختصاص الجزائي، ويطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى جواز أن يتولى قضاء ذوو ولاية مدنية توقيع عقوبات جزائية تمس الحرية الشخصية. فالعبرة ليست بمجرد تسمية المحكمة أو وصفها بالمتخصصة، وإنما بطبيعة الاختصاص الذي تمارسه وطبيعة العقوبة التي تملك فرضها.
وقد نظم القانون المحاكم المدنية المتخصصة في المادة 111، ومسائل الاختصاص وطرق المراجعة والطعن في المادة 112 وما يتصل بها. ويجب أن تقرأ هذه الأحكام في ضوء حق الدفاع ودرجات التقاضي وطرق الطعن وضمانات المحاكمة العادلة.
أما المادة 114 فتتضمن ضمانة مهمة تتمثل في منع التوقيف الاحتياطي في الجرائم الإعلامية. وهذه خطوة إيجابية، لأن التوقيف قبل المحاكمة يمكن أن يتحول، في قضايا التعبير، إلى عقوبة فعلية أو إلى وسيلة ضغط.
لكنها تبقى ضمانة غير مكتملة إذا كان القانون يسمح في النهاية بالحكم بالحبس. فحظر التوقيف الاحتياطي يلغي الحبس قبل المحاكمة، لكنه لا يلغي الحبس كعقوبة.
ومن ثم، فإن الإصلاح القضائي الحقيقي لا يقاس فقط بإلغاء محكمة المطبوعات والقضاء العسكري، بل بمدى ضمان قضاء مدني مستقل ومتخصص، واختصاص واضح، وحق الدفاع، ودرجات التقاضي والطعن، ومنع التوقيف الاحتياطي، والأهم إخراج المخالفات الإعلامية من دائرة العقوبة السالبة للحرية.
رابعاً: الهيئة الوطنية والإعلام الإلكتروني — التنظيم أم الرقابة؟
يشكل إنشاء الهيئة الوطنية للإعلام أحد أبرز الإصلاحات المؤسسية التي جاء بها القانون. ومن حيث المبدأ، فإن وجود هيئة مستقلة لتنظيم القطاع الإعلامي يمكن أن يشكل ضمانة للتعددية والشفافية ومنع الاحتكار.
لكن استقلال الهيئة لا يقاس بمجرد تسميتها «مستقلة»، وإنما بطريقة تشكيلها، واستقلال أعضائها، ومدى استقلالها الإداري والمالي، وحدود صلاحياتها، وإمكان إخضاع قراراتها للرقابة القضائية.
وتكتسب المادة 74 أهمية خاصة في هذا السياق، لأنها تتعلق بتكوين الهيئة وآلية اختيار أعضائها، فيما تتصل الأحكام التالية بشروط العضوية ومدة الولاية والتمانع وانتخاب مكتب الهيئة وحصانة الأعضاء وتنظيم عملها.
وهنا يجب التمييز بين أمرين: تنظيم القطاع، ومراقبة المحتوى.
من المشروع أن تملك الهيئة صلاحيات تتعلق بالشفافية والتعددية ومنع الاحتكار وتنظيم المؤسسات الإعلامية. لكن الأمر يصبح مختلفاً عندما تمتد سلطاتها إلى مضمون الخطاب، أو إلى تحديد ما يعتبر متوازناً أو نزيهاً أو مخالفاً للمصلحة العامة، ثم ترتيب جزاءات على ذلك.
فكل سلطة تنظيمية أو عقابية يجب أن تخضع لمبادئ الشرعية والتحديد الدقيق للمخالفة والتناسب وحق الدفاع والطعن القضائي. وإلا تحولت الهيئة من ضمانة لاستقلال الإعلام إلى سلطة إدارية جديدة يمكن أن تؤثر في حريته.
وتبرز هنا أيضاً المادة 115 المتعلقة بالحق النقابي للصحافيين. وهذه المسألة لا تتصل مباشرة بمضمون التعبير، لكنها ترتبط بالحرية المهنية وبقدرة الصحافيين على التنظيم المستقل والدفاع عن مصالحهم، ولذلك ينبغي ألا تؤدي القيود المفروضة عليها إلى إضعاف الاستقلال المهني للإعلام.
الإعلام الإلكتروني
يمثل إدخال الإعلام الإلكتروني في نطاق قانون الإعلام تطوراً ضرورياً لمواكبة الواقع التكنولوجي. كما أن اعتماد مبدأ العلم والخبر بدلاً من الترخيص المسبق يمثل، من حيث الأصل، خطوة إيجابية.
لكن إلغاء الترخيص المسبق لا يكون كافياً إذا حلت محله شروط إدارية أو مهنية واسعة تجعل إنشاء المؤسسة أو استمرارها مرتبطاً بقيود يمكن أن تؤدي عملياً إلى النتيجة نفسها.
وتبرز هنا المادة 63 التي تفرض الإفصاح عن بيانات تتعلق بمالك الموقع وشكله القانوني وعنوانه والمدير المسؤول ووسائل الاتصال به، وهي متطلبات يمكن تبريرها من زاوية الشفافية وتحديد المسؤولية.
غير أن اشتراط أن يكون المدير المسؤول إعلامياً لبنانياً ومتمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية يثير مسألة الضرورة والتناسب. فإذا كان الهدف ضمان الخضوع للقانون اللبناني وإمكان تحديد المسؤولية، فإن الجنسية ليست بالضرورة الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك.
كما أن هذا الشرط قد يحد من التعددية والخبرات المتاحة في إدارة المؤسسات الإعلامية الإلكترونية. ومن ثم، ينبغي إخضاعه لمعيار الضرورة الفعلية، لا الاكتفاء بوجوده في النص.
أما المادة 64 فتتصل بالجزاءات المترتبة على مخالفة الأحكام المتعلقة بالإعلام الإلكتروني. والمشكلة هنا ليست في مبدأ الجزاء التنظيمي بحد ذاته، وإنما في طبيعته ومقداره وأثره. فالغرامات المرتفعة قد تتحول، بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة أو المستقلة، إلى وسيلة تؤثر في قدرتها على الاستمرار.
وعليه، ينبغي أن تكون الجزاءات متدرجة ومتناسبة مع طبيعة المخالفة، وألا تتحول المتطلبات الإدارية أو المالية إلى قيود غير مباشرة على التعددية الإعلامية.
خامساً: النصوص الفضفاضة والتناقضات الداخلية — مكمن الخطر العملي
من أخطر ما يواجه حرية التعبير في أي قانون ليس فقط النص الذي يفرض حظراً واضحاً، بل النص الذي لا يمكّن الأشخاص الخاضعين له، ولا سيما الصحفيين والإعلاميين، من معرفة حدود الممنوع بصورة واضحة ومسبقة. فمقتضى قابلية النص للتوقع أن يستطيع الشخص، في حدود معقولة، أن يدرك من النص القانوني ما هي الأفعال التي يمكن أن تعرضه للمساءلة والعقوبة.
ويظهر ذلك في تعابير مثل «الأخبار الكاذبة»، «الأضاليل»، «المعلومات المضللة»، «التحريض»، «الكراهية»، وكذلك في بعض المفاهيم المهنية مثل «النزاهة» و«التوازن» و«المصلحة العامة» عندما تتحول من معايير مهنية إلى التزامات قانونية يمكن أن يترتب على مخالفتها جزاء.
فـ«التوازن» مثلاً مفهوم مهني مرن، ولا يمكن قياسه دائماً بمعيار قانوني واحد. ومن يملك تحديد ما إذا كان تقرير ما «متوازناً»؟ وهل يجوز أن يصبح اختلاف الصحافي في تقديره أو زاوية معالجته سبباً للملاحقة؟
والأمر نفسه بالنسبة إلى «المصلحة العامة». فالصحافة تؤدي دورها في تحديد مسائل المصلحة العامة وكشفها للجمهور، ولا يجوز أن تتحول المصلحة العامة إلى مفهوم تستخدمه السلطة لتحديد ما ينبغي نشره وما ينبغي حجبه.
وهنا يتصل الأمر مباشرة بمبدأ الشرعية الجنائية. فكلما كان النص الجزائي غامضاً، اتسعت سلطة التفسير، وكلما كانت العقوبة أشد، أصبح هذا الغموض أكثر خطورة.
وتزداد الخطورة عندما تقترن النصوص الفضفاضة بعقوبات سالبة للحرية، لأن أثرها لا يظهر فقط في الأحكام القضائية، بل قبل ذلك في الرقابة الذاتية. فالصحافي الذي لا يعرف بدقة ما إذا كان نشر معلومة ما يمكن أن يؤدي إلى ملاحقته قد يختار عدم نشرها أصلاً.
وهذا هو ما يعرف بالأثر الرادع، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب حرية الصحافة: أن يصبح الخوف من القانون أقوى من القانون نفسه.
التناقضات الداخلية
يظهر في القانون أيضاً عدد من التناقضات التي تكشف عدم اكتمال الانتقال من النظام القديم إلى النظام الجديد.
أول هذه التناقضات هو الإعلان عن الحد من حبس الصحافيين مع الإبقاء على الحبس في المادة 104.
فإذا كانت فلسفة القانون تتجه إلى المسؤولية المدنية والمهنية، فكيف يمكن التوفيق بينها وبين حبس قد يصل إلى ثلاث سنوات؟
وثانيها التناقض بين حظر التوقيف الاحتياطي في المادة 114 وإمكان الحكم بالحبس. فالصحافي لا يُحبس قبل المحاكمة، لكنه يمكن أن يُحكم عليه بالحبس بعد المحاكمة.
وثالثها التناقض بين إلغاء محكمة المطبوعات والقضاء العسكري وإنشاء قضاء مدني متخصص، وبين استمرار التجريم الجزائي. فهذا الإصلاح يغير الجهة القضائية، لكنه لا يغير بالضرورة طبيعة المسؤولية.
ورابعها التناقض المحتمل بين استقلال الهيئة الوطنية للإعلام واتساع صلاحياتها الرقابية والعقابية.
فالهيئة ينبغي أن تكون ضمانة لاستقلال الإعلام، لا سلطة إدارية واسعة للتدخل في مضمونه.
وخامسها التناقض بين اعتماد العلم والخبر بدلاً من الترخيص المسبق وبين فرض شروط وجزاءات تنظيمية قد تجعل ممارسة النشاط الإعلامي خاضعة، بصورة غير مباشرة، لقيود مسبقة.
وهذه التناقضات لا تعني أن القانون يفتقر إلى القيمة الإصلاحية، لكنها تؤكد أن الإصلاح لم يكتمل فلسفياً وتشريعياً.
سادساً: التقييم الدستوري والدولي النهائي
بعد قراءة القانون في ضوء فلسفته، وقيوده الموضوعية، ومنظومة التجريم والعقوبات، والمسؤولية المدنية، والقضاء والاختصاص، والهيئة الوطنية والإعلام الإلكتروني، والنصوص الفضفاضة والتناقضات الداخلية، يمكن الوصول إلى تقييم أكثر توازناً وتحديداً.
لا يصح وصف القانون بأنه قانون سلبي في مجمله، كما لا يصح اعتباره قانوناً يحقق بصورة كاملة المعايير الحديثة لحماية حرية الإعلام والتعبير. فهو يتضمن بالفعل عدداً من التطورات المهمة، ولا سيما تحديث الإطار التشريعي، وإدخال الإعلام الإلكتروني ضمن نطاق التنظيم القانوني، وإنهاء اختصاص القضاء العسكري في قضايا الإعلام، ومنع التوقيف الاحتياطي، وتعزيز بعض ضمانات الدفاع والطعن، وإنشاء هيئة وطنية للإعلام.
غير أن بعض ما قُدِّم بوصفه إصلاحاً يحتاج إلى قراءة أكثر نقدية. فإلغاء محكمة المطبوعات، مثلاً، لا ينبغي اعتباره بالضرورة مكسباً لحرية الإعلام لمجرد أنه أنهى قضاءً متخصصاً كان قائماً في هذا المجال. فخصوصية حرية الإعلام والتعبير كانت تقتضي، في المقابل، الإبقاء على قضاء إعلامي متخصص ومستقل، باعتبار أن الملاحقة والمحاكمة في هذا المجال يجب أن تظل استثنائية، تماماً كما أن القيود على حرية التعبير هي الاستثناء والحرية هي الأصل.
وكان الأجدر، من هذه الزاوية، الإبقاء على خصوصية القضاء الإعلامي مع إعادة تعريف دوره وضمان استقلاله، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية المرتبطة بالمخالفات الإعلامية، بدلاً من إلغاء المحكمة المتخصصة ذاتها. فالمشكلة لا تكمن في تخصص القضاء، بل في طبيعة النظام الجزائي الذي يطبقه، وفي مدى توافق العقوبات والقيود التي يفرضها مع حرية الإعلام والتعبير.
أما إنهاء اختصاص القضاء العسكري، فهو يمثل تطوراً إيجابياً لا خلاف عليه، لأن محاكمة الصحفيين والإعلاميين ينبغي، من حيث الأصل، أن تبقى خارج اختصاص القضاء العسكري. غير أن ذلك لا يعني أن إلغاء محكمة المطبوعات وإنشاء قضاء مدني متخصص يشكلان، في حد ذاتهما، تطوراً في حماية حرية الإعلام. فخصوصية المنازعات المتعلقة بالنشر والتعبير كانت تقتضي الإبقاء على قضاء إعلامي متخصص، بالنظر إلى الطبيعة الخاصة للحق موضوع الحماية وإلى ضرورة جعل الملاحقة والمحاكمة في هذا المجال استثناءً لا قاعدة.
وكان الأجدر، من هذه الزاوية، الإبقاء على محكمة المطبوعات أو إنشاء قضاء إعلامي متخصص يحل محلها، مع إعادة النظر في نظامها القانوني وإلغاء العقوبات السالبة للحرية، وتشديد الضمانات الإجرائية والقضائية المقررة للصحفيين والإعلاميين. فالمعيار ليس مدنية القضاء فحسب، وإنما مدى تخصصه واستقلاله وقدرته على حماية حرية التعبير، مع حصر الملاحقة الجزائية في الحالات الاستثنائية، وإخضاع أي عقوبة لمقتضيات الضرورة والتناسب.
ولا تكفي هذه التطورات، في المقابل، إذا بقيت في صلب القانون منظومة من التجريم والعقوبات والصياغات الفضفاضة التي تسمح بتوسيع نطاق المسؤولية. ومن منظور المادة 13 من الدستور اللبناني، يجب تفسير القيود على حرية الرأي والطباعة تفسيراً لا يفرغ الحرية من مضمونها. ومن منظور المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا يكفي أن يكون القيد مقرراً في القانون، بل يجب أن يستند إلى غاية مشروعة، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً معها.
وهنا تبرز المادة 104 باعتبارها أحد أهم مواضع الخلل التي تستوجب المراجعة. فالإبقاء على عقوبة سالبة للحرية في مواجهة الصحافي بسبب نشر أخبار كاذبة أو مؤذية، حتى مع اشتراط التعمد، يظل تدبيراً شديد المساس بحرية التعبير، خصوصاً عندما تُصاغ الأفعال المجرّمة باستخدام مفاهيم تحتاج إلى مزيد من التحديد.
كما تحتاج المادة 112 إلى إعادة صياغة تفصل بوضوح بين التحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز وبين نشر المعلومات غير الصحيحة، وتمنع التوسع في التجريم أو استخدام مكافحة خطاب الكراهية مدخلاً إلى تجريم التعبير المشروع.
وتحتاج المادة 63 إلى مراجعة شروطها المتعلقة بالإعلام الإلكتروني، ولا سيما شرط كون المدير المسؤول إعلامياً لبنانياً، للتأكد من استناده إلى ضرورة حقيقية وعدم تحوله إلى قيد غير متناسب على إدارة المؤسسات الإعلامية.
أما المادة 64، فيجب أن تخضع جزاءاتها لمعيار التدرج والضرورة والتناسب، حتى لا تتحول الغرامات أو التدابير التنظيمية إلى وسيلة لإضعاف المؤسسات الصغيرة أو المستقلة.
كما ينبغي ضبط النصوص التي تمنح الهيئة الوطنية للإعلام صلاحيات رقابية أو عقابية، بحيث تكون المخالفات محددة، والجزاءات متناسبة، وحقوق الدفاع مكفولة، وقرارات الهيئة قابلة لرقابة قضائية فعالة، مع منع تحول صلاحياتها إلى وسيلة للرقابة على مضمون التعبير.
كذلك ينبغي إعادة النظر في كل نص يستخدم مفاهيم فضفاضة يمكن أن تمتد إلى الرأي أو النقد أو التقدير المهني، ولا سيما عندما يقترن النص بعقوبة جزائية أو مالية. فحرية التعبير لا تُحمى فقط بإعلانها مبدأً، وإنما أيضاً بمنع النصوص الغامضة من تحويل الاستثناء إلى قاعدة.
ما الذي ينبغي تعديله؟
يمكن تحديد الأولويات التشريعية على النحو الآتي:
أولاً — المادة 104: إلغاء العقوبة السالبة للحرية بالنسبة إلى المخالفات الإعلامية، وإعادة ضبط مفاهيم الأخبار الكاذبة والأضاليل والمعلومات المضللة، وحصر المسؤولية الجزائية في الأفعال التي تشكل جرائم محددة ومكتملة الأركان.
ثانياً — المادة 112: إعادة صياغتها بما يقتصر على تجريم التحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز وفق معايير واضحة ودقيقة، وحذف الإشارة إلى «اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة» من هذا النص، منعاً للخلط بين جريمة التحريض على الكراهية والتمييز وبين نشر الأخبار غير الصحيحة، وبما يحول دون استخدام النص لتجريم التعبير السياسي أو الإعلامي المشروع.
ثالثاً — المادة 63: مراجعة الشروط المفروضة على المواقع الإعلامية الإلكترونية، ولا سيما شرط الجنسية والصفة المهنية للمدير المسؤول، والتأكد من أن القيود لا تتجاوز ما تقتضيه الشفافية وتحديد المسؤولية.
رابعاً — المادة 64: إخضاع الجزاءات الخاصة بالإعلام الإلكتروني لمبادئ التدرج والضرورة والتناسب.
خامساً — النصوص المتعلقة بالهيئة الوطنية للإعلام: تحديد صلاحياتها التنظيمية والرقابية والعقابية بصورة دقيقة، ومنع تحولها إلى جهة تراقب مضمون التعبير، مع ضمان حق الدفاع والطعن القضائي الفعال.
سادساً — النصوص الفضفاضة: إعادة صياغة كل حكم يستخدم مفاهيم غير محددة يمكن أن تستوعب التعبير المشروع، بحيث تصبح المخالفة واضحة وقابلة للتوقع، ولا سيما إذا كانت تقترن بجزاء جزائي أو مالي.
وفي المحصلة، لا تكمن قيمة قانون الإعلام الجديد في مجرد تحديث مؤسساته أو إعادة توزيع الاختصاصات القضائية، وإنما في مدى نجاحه في الانتقال من منطق تقييد حرية الإعلام إلى منطق حمايتها.
ويظل هذا الانتقال ناقصاً ما دام القانون يحتفظ بعقوبات سالبة للحرية أو بنصوص جزائية غامضة أو بقيود يمكن أن تُستخدم لمعاقبة التعبير المشروع.
وعليه، فإن التقييم الأدق للقانون هو أنه يتضمن إصلاحات مهمة، لكنه لم يحقق بعد القطيعة الكاملة مع المنظومة التقليدية لتجريم الإعلام. والمطلوب ليس إلغاء خصوصية القضاء الإعلامي، وإنما إعادة توجيهها نحو حماية الحرية، مع جعل الملاحقة الجزائية استثناءً، وإلغاء الحبس، وحصر التجريم في الأفعال الواضحة والمحددة التي تبررها ضرورة حقيقية في مجتمع ديمقراطي.
الخاتمة
إن قانون الإعلام اللبناني الجديد يمثل خطوة إصلاحية مهمة، ولكنها غير مكتملة.
فمن جهة، نجح في إدخال عناصر حديثة إلى التشريع الإعلامي، وواكب الإعلام الإلكتروني، وألغى اختصاص القضاء العسكري، وكرّس ضمانات إجرائية مهمة، في مقدمتها منع التوقيف الاحتياطي في القضايا الإعلامية.
لكن من جهة أخرى، لم يقطع بصورة نهائية مع منطق التجريم والعقاب. فالإبقاء على عقوبات سالبة للحرية، ولا سيما في المادة 104، وعلى نصوص تستخدم عبارات واسعة مثل “الأخبار الكاذبة” و«الأضاليل» و«المعلومات المضللة”، يترك الباب مفتوحاً أمام تضييق يمكن أن يمس جوهر حرية التعبير.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في القانون: لقد تغيرت البنية القضائية والمؤسسية، لكن بعض عناصر الفلسفة العقابية بقيت.
فإلغاء محكمة المطبوعات لا يكفي إذا ظل الصحافي معرضاً للحبس. وإلغاء القضاء العسكري لا يكفي إذا بقي الفعل الإعلامي جريمة يعاقب عليها جزائياً. ومنع التوقيف الاحتياطي لا يحل المشكلة إذا كان الحكم بالحبس لا يزال ممكناً. وإنشاء هيئة مستقلة لا يكون ضمانة إذا تحولت صلاحياتها إلى رقابة واسعة على مضمون الإعلام.
والإصلاح الحقيقي لا يعني منح الصحافي حصانة من المسؤولية، ولا يعني السماح بنشر الأكاذيب أو التحريض على العنف والكراهية أو الاعتداء على حقوق الآخرين. وإنما يعني اختيار الوسيلة القانونية الملائمة لطبيعة الفعل.
فإذا كان الأمر يتعلق بخطأ في النشر أو بضرر أصاب شخصاً نتيجة معلومة غير صحيحة، فإن الأصل هو الرد والتصحيح والتعويض والمسؤولية المدنية أو المهنية. وإذا كان الفعل يشكل جريمة عامة حقيقية، كالعنف أو التحريض المباشر على ارتكاب جريمة، فإن القانون الجزائي العام يكفي لتطبيق المسؤولية متى اكتملت أركان الجريمة.
أما تحويل المخالفات الإعلامية إلى جرائم خاصة، وإبقاء الحبس كأداة لمعاقبة ممارسة التعبير، فيتعارض مع الاتجاه الذي يفترض أن يسلكه التشريع الحديث في حماية الصحافة.
ومن ثم، فإن المعيار الحاسم في تقييم القانون ليس عدد المواد التي تتحدث عن الحرية، ولا عدد الإصلاحات المؤسسية التي أدخلها، بل مدى قدرة الصحافي على ممارسة عمله ونقد السلطة وكشف الفساد ونشر المعلومات ذات المصلحة العامة من دون أن يعيش تحت تهديد الملاحقة الجزائية بسبب نص غامض أو عقوبة غير متناسبة.
إن القانون الذي يحمي حرية الإعلام يجب أن يحمي أيضاً حرية النقد، وحرية السؤال، وحرية الكشف، وحرية نقل المعلومات التي قد تكون السلطة أو أصحاب النفوذ غير راغبين في ظهورها.
وإلا تحولت الحماية المعلنة إلى حماية شكلية.
وعليه، يمكن القول إن قانون الإعلام الجديد يشكّل خطوة مهمة نحو إعلام أكثر حرية واستقلالاً، لكنه لم يقطع بصورة نهائية مع منطق التجريم والرقابة. وهو يحتاج، لكي يحقق الغاية الإصلاحية التي يفترض أن يقوم عليها، إلى مراجعة المواد الأكثر مساساً بالحرية، وفي مقدمتها الأحكام التي تبقي على الحبس، والنصوص الفضفاضة، وبعض القيود على الإعلام الإلكتروني، والصلاحيات الرقابية والعقابية للهيئة الوطنية.
والاختبار الحقيقي للقانون لن يكون فقط في النص، بل في كيفية تفسيره وتطبيقه من قبل القضاء والهيئة الوطنية للإعلام. غير أن حسن التطبيق لا يغني عن حسن التشريع؛ فالنص الواضح والمتوازن هو الضمانة الأولى لحرية الإعلام.
والغاية النهائية ليست إعلاماً بلا مسؤولية، وإنما إعلاماً مسؤولاً من دون خوف، وسلطةً قابلة للنقد من دون أن تتحول الحماية القانونية إلى وسيلة لحمايتها من النقد.
وهنا تحديداً يتحدد نجاح القانون أو فشله: هل يكون قانوناً لحماية الإعلام، أم قانوناً لتنظيم حدود ما يستطيع الإعلام أن يقوله؟
أخبار متعلقة :