موقع دعم الإخباري

من يكتب قواعد الاشتباك الجديدة في لبنان؟

كتب فؤاد بوجي في اللواء:

لم تعد المعركة في جنوب لبنان تدور فقط حول وقف إطلاق النار أو الانسحاب الإسرائيلي. ما يجري على الأرض وفي غرف التفاوض يتجاوز ذلك، لأن لبنان يقف أمام محاولة لإعادة صياغة المعادلة الأمنية التي حكمت الجنوب لسنوات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من سيكتب قواعد الاشتباك الجديدة في لبنان؟

الميدان يعطي جزءاً من الإجابة. إسرائيل تواصل عملياتها وضرباتها في الجنوب بالتوازي مع المسار التفاوضي، وتتعامل مع أمنها باعتباره أولوية تبرر لها الاحتفاظ بحرية الحركة عندما ترى تهديداً. وفي المقابل، تبحث المفاوضات في روما عن ترتيبات تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة مقابل انتشار الجيش اللبناني، مع طرح فكرة «المناطق التجريبية» لاختبار هذا النموذج.

قد تبدو هذه التفاصيل تقنية، لكنها في جوهرها سياسية وسيادية. فعندما تربط إسرائيل استمرار انسحابها بترتيبات أمنية وبقدرة الجيش اللبناني على ضبط المنطقة، تصبح قواعد الأمن الجديدة نتاجاً ليس فقط للتفاوض، بل أيضاً للوقائع التي يفرضها الطرف الأقوى ميدانياً.

من حق إسرائيل أن تطلب ضمانات لأمن حدودها، ومن حق لبنان في المقابل أن يطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الاعتداءات واحترام سيادته. لكن لا يمكن أن تتحوّل المخاوف الأمنية الإسرائيلية إلى حق دائم في تحديد ما هو مسموح وما هو ممنوع داخل الأراضي اللبنانية. وإلّا يصبح أي انسحاب مشروطاً بحق إسرائيل في العودة إلى العمل العسكري متى اعتبرت أن هناك تهديداً.

في المقابل، لا يستطيع لبنان استعادة سيادته كاملة فيما يبقى القرار العسكري موضع خلاف داخلي. وهنا لا يعود السؤال فقط: هل يبقى سلاح حزب الله أم لا؟ بل يصبح السؤال الأهم: من يملك قرار استخدام القوة في لبنان؟

إذا احتفظ حزب الله بقرار عسكري مستقل، ستبقى الدولة عاجزة عن تقديم نفسها صاحبة القرار الأمني الكامل. وإذا أصبحت إسرائيل هي التي تحدد متى يوجد تهديد يبرر الضربة، ستبقى السيادة اللبنانية منقوصة. وإذا تولت الولايات المتحدة إدارة التوازن بين الطرفين، فقد يحصل لبنان على استقرار برعاية خارجية، لا على معادلة أمنية وطنية.

مسؤولية الدولة هنا أساسية. انتشار الجيش في الجنوب خطوة مهمة، لكن المطلوب أن يتحوّل إلى سلطة فعلية. لبنان يحتاج إلى دولة قادرة على حماية الجنوب، ومنع استخدام أراضيه لتهديد الآخرين، وفي الوقت نفسه حماية أراضيه من الاعتداءات.

لبنان يحتاج إلى الوساطة والدعم الدولي، لكن الاستعانة بوسيط شيء، وتسليمه حق تحديد قواعد اللعبة شيء آخر. تستطيع واشنطن الضغط وضمان الاتفاق، لكن القاعدة الأساسية يجب أن تبقى لبنانية: الأمن داخل لبنان مسؤولية الدولة اللبنانية.

الاختبار الحقيقي لن يكون في توقيع اتفاق، بل في اليوم التالي له: هل يصبح الجنوب فعلاً تحت سلطة الدولة؟ هل تتوقف إسرائيل عن الاحتفاظ بحق الضرب متى شاءت؟ وهل يصبح القرار العسكري حصراً بيد المؤسسات الشرعية؟

هذه الأسئلة ستحدّد ما إذا كانت المرحلة المقبلة بداية استقرار حقيقي أم مجرد إعادة ترتيب للصراع. لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على قواعد الاشتباك، بل على من يملك حق كتابتها. إذا كتبتها إسرائيل وحدها، ارتبط الأمن اللبناني بالتقدير الإسرائيلي. وإذا كتبها حزب الله وحده، بقي القرار العسكري خارج الدولة. وإذا كتبها الخارج نيابة عن اللبنانيين، بقيت السيادة ناقصة.

أما إذا استطاعت الدولة اللبنانية، بدعم دولي، أن تكون صاحبة القرار في صياغة هذه القواعد وتنفيذها، فحينها فقط يبدأ لبنان بالانتقال من إدارة الصراع إلى بناء دولة تحمي حدودها وتفرض قرارها. فالفرق بين الدولة والساحة ليس في امتلاك القوة فقط، بل في امتلاك حق اتخاذ القرار.

أخبار متعلقة :