موقع دعم الإخباري

الواجب الأكبر التفكير ببلدنا من خارج الصندوق

كتب خضر نجدي في “نداء الوطن”:

لقد لفت انتباهي، بين جملة الأخبار المتشابكة والتعقيدات التي تتناول الحرب الدائرة في المنطقة، وكثرة التحليلات والاستنتاجات والتعليقات، عنوانٌ ينقل عن تقرير في إحدى وسائل الإعلام الأميركية، يشير إلى وجود خمس دول في العالم من دون جيوش، أي إنها اختارت التخلي عن قوتها العسكرية الدائمة.

تبادر إلى ذهني مباشرة أن هذه الدول لا بد أن تكون نائية عن دول مجاورة، صغيرة المساحة وعدد السكان، ولا يشكل موقعها طمعاً لأي من الدول، أو أنها لا تشكل خطراً على جيرانها. وربما تكون متجانسة اجتماعياً، لا تحتاج إلى قوة عسكرية للحفاظ على الأمن الداخلي وتهدئة الصراعات المحلية، وتقتصر علاقاتها الخارجية على تبادل السلع وبعض الخدمات.

الا ان البحث أظهر أن الصورة أكثر تعقيداً بكثير. وفيها شيء من عناصر الارتكاز، التي تفيد في توصيف الواقع اللبناني ، خصوصا في هذه الظروف المتفجرة ، بفعل التغافل عن امكانات متماثلة مع تلك الدول، لا بل تشكل نموذجا يشير الى توافر امكانات القوة، بدل اختصارها في جانب واحد (القوة العسكرية)، اثبت انه وصفة لتكرار المآسي، وجاذب للضعف والدمار.

وتبين ان الدول الخمس، كوستاريكا، بنما، موريشيوس، جزر سليمان وآيسلندا ، بينها دول جزرية، و دول ليست جزرية؛ ودول صغيرة السكان،واكبر من مساحة لبنان بعشرات المرات ، لكنها تقع في مواقع ذات أهمية استراتيجية، وبعضها مرتبط مباشرة بتنافس القوى الكبرى.

فكوستاريكا ليست جزيرة معزولة؛ إنها تقع في أميركا الوسطى، ولها حدود مع نيكاراغوا وبنما، وقد شهدت عام 1948 حرباً أهلية ذات أسباب سياسية. والأهم أنها خرجت من تلك الحرب باتجاه مختلف: لم تعُد إلى بناء جيش دائم، بل ألغت الجيش، ثم كُرّس هذا الخيار دستورياً عام 1949 ، وحولت ميزانية الجيش الى التعليم والبيئة والتنمية . أما بنما، فهي دولة صغيرة، لكنها تقع في قلب واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم: قناة بنما، التي تصل بين المحيطين الأطلسي والهادئ. ومع ذلك، وبعد تجربة طويلة من الحكم العسكري، أُزيلت المؤسسة العسكرية وأصبح عدم وجود جيش دائماً جزءاً من النظام الدستوري ، وهنا بدأ السؤال يتغير ، ولم تعد المسألة ، كيف استطاعت هذه الدول أن تعيش من دون جيش ، بل كيف استطاعت أن تعيد تعريف أمنها وقوتها بطريقة مختلفة؟

قد يقول أحدهم، وربما محقاً ، ما علاقة لبنان بكوستاريكا أو بنما؟ ونحن نعيش في منطقة مختلفة تماماً. إسرائيل عدو لها اطماعها وهي على حدودنا، والقضية الفلسطينية ما زالت مفتوحة، والحرب والاحتلال والتهديدات الإقليمية جزء من واقعنا، وسوريا دولة مجاورة لها تأثير مباشر في تاريخ لبنان وحاضره، والمنطقة كلها ساحة لتنافس إقليمي ودولي. فكيف يمكن، في هذا الظرف تحديداً، أن نتحدث عن دول اختارت التخلي عن جيوشها؟ وان نحاول عقد مقارنة لا تستوي مع طبيعة بناء الاجتماع اللبناني منذ التشكل حتى الآن ، وتعقد المقارنة لا للدعوة إلى استنساخ التجارب ، بل وسيلة لفهم كيفية ادارة التعقيدات والعلاقات داخل المجتمع ومع الخارج .

فإذا كانت ظروف الدول مختلفة، يمكننا أن نسأل: كيف أدارت كل دولة حجمها وموقعها ومصالحها وعلاقاتها الخارجية؟ وكيف تعاملت مع مصادر القوة والضعف لديها؟ ومتى جعلت القوة وسيلة لحماية الدولة، ومتى أصبحت الدولة نفسها أسيرة لمن يمتلك القوة؟

تكتسب كوستاريكا أهمية خاصة لأنها لا تقدم لنا نموذج دولة لم تعرف الحرب. فلقد شهدت حرباً أهلية عام 1948، ثم اتخذت قراراً بأن تكون نهاية الحرب بداية لإعادة بناء الدولة، لا مجرد إعادة إنتاج أدوات الصراع. وكان إلغاء الجيش جزءاً من هذا التحول.

قد نختلف مع هذا الخيار أو نراه غير قابل للتطبيق في لبنان، وهذا أمر مشروع تماماً، لكن التجربة تطرح فكرة مهمة ، ليس ضرورياً أن تكون كل دولة صغيرة محكومة بأن تجعل القوة العسكرية مركز حياتها السياسية. مع العلم ان كوستاريكا اكبر من لبنان مساحة بأربع مرات ، وهي استثمرت في المؤسسات المدنية، والتعليم، والصحة، والتنمية، والعلاقات الدولية، وبنت جزءاً من أمنها على الاستقرار الداخلي وعلى شبكة علاقاتها الخارجية. والأهم أن المجتمع الكوستاريكي ليس مجتمعاً خالياً من التنوع الديني والاجتماعي. بل توجد فيه مذاهب واتجاهات دينية مختلفة، إلى جانب نسبة مهمة من غير المنتمين دينياً. الا انه سار في طريق إدارة الاختلاف داخل الدولة.

وتقدم بنما نموذجا آخر لدحض فرضية تلازم الموقع الاستراتيجي مع ضرورة بناء القوة العسكرية . فقناة بنما جعلت من الموقع الجغرافي مصدراً للقوة الاقتصادية. وبعد تجربة الحكم العسكري، اختارت أن يكون أمنها مرتبطاً بالمؤسسات المدنية والعلاقات الدولية والأهمية الاقتصادية لموقعها، لا بوجود جيش دائم. وبالتالي يمكن للموقع الجغرافي أن يكون مصدراً للقوة، كما يمكن أن يكون مصدراً للصراع.

لدى لبنان موقع جغرافي مهم على المتوسط، ورأس مال بشري كبير، واغتراب واسع، وجامعات ومستشفيات ومؤسسات ثقافية وإعلامية، وقطاعات خدمية وسياحية وتجارية، وقدرة على التواصل مع محيط عربي وعالمي واسع.

ولدينا أيضاً مجتمع متنوع دينياً وثقافياً، كان يمكن أن يكون مصدر غنى وقوة، لو نجحنا في تحويله من مصدر للخوف المتبادل إلى أساس لمواطنة مشتركة ، ولم ننجح بما يكفي في تحويل هذه العناصر إلى قوة دولة.

كما ان الاغتراب يمثل قوة اقتصادية هائلة، لكننا لم نحوله بما يكفي إلى جزء من استراتيجية وطنية متكاملة، والموقع لم يتحول في كثير من الأحيان من فرصة إلى عبء بسبب عدم الاستقرار.

والتعددية اللبنانية غنية، لكنها تحولت تدريجياً إلى نظام من المخاوف المتبادلة، بحيث أصبحت الطائفة في أحيان كثيرة وسيلة لحماية المواطن من ضعف الدولة، بدلاً من أن تكون الدولة هي الحامية لجميع المواطنين.

عندها تصبح الجماعة بديلاً عن الدولة، ويصبح الزعيم أقوى من المؤسسة، وتتحول الدولة إلى ساحة لتقاسم النفوذ بدل أن تكون إطاراً مشتركاً للمواطنين ، وهنا تختلف التجربة اللبنانية جذرياً عن تجربة دول استطاعت أن تجعل التعدد الاجتماعي جزءاً من الدولة، لا بديلاً عنها ، وان القوة العسكرية نفسها لا تصبح قوة دولة إلا عندما تكون خاضعة لاستراتيجية وطنية واضحة.

القوة هي أيضاً الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والمؤسسات، والقدرة على إنتاج الثروة، وحماية المواطن، وإدارة الحدود، وبناء العلاقات الخارجية، وتكوين التحالفات، واستخدام الدبلوماسية، والقدرة على جعل الاعتداء على الدولة مكلفاً وغير مجدٍ.خصوصا اننا نعلم كلبنانيين اننا لا نستطيع أن نتجاهل إسرائيل، ولا القضية الفلسطينية، ولا طبيعة الصراع في المنطقة.

وليس من الواقعي أن نتعامل مع لبنان وكأنه يعيش في بيئة جغرافية وسياسية تشبه أميركا الوسطى أو المحيط الهادئ. انما الواقعية الأشد ان نسأل عن المصدر الحقيقى لقوة لبنان التي تستطيع ان تدافع عنه ، وتدعم القضية الفلسطينية ، وتمنع الاستسلام ، وتعيد النهوض المبني اساسا على استدامة الاستقرار الذي لا يتحقق الا بمعرفة عناصر القوة ، التي ليست بالضرورة عسكرية كما دلت التجارب المشار اليها .اي على المجتمع و الدولة اللبنانية أن يعرفا دائماً الفرق بين التضامن مع قضية، وبين تحويل أراضيها إلى ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز قدرتها على التحكم بها.

ان فكرة تصالح لبنان مع حجمه وموقعة ، بطريقة معاكسة ، ربما هي الفكرة الأهم التي يمكن استخلاصها من تجربة الدول الصغيرة ، التي لا يستطيع أن يتصرف دائماً كما لو كان دولة كبرى. بل من الملح مع تكرار تجارب الصراعات والحروب ، اعادة النظر بمكامن عناصر القوة ، فكما اهتدت كوستاريكا الى ان قوتها في المؤسسات المدنية ، والاستقرار والتنمية ، وبنما في موقعها الاسترتيجي ، فعلى لبنان ان يحول عناصر قوته المتمثلة ، بالانسان والموقع والاغتراب والثقافة والتعليم والخدمات والعلاقات مع العالم في المرتبة الاولى مع اية قوة عسكرية. ولذلك فإن التصالح مع حجم لبنان لا يعني أن نقبل بالضعف، بل أن نعرف كيف نستخدم ما نملك بدلاً من محاولة امتلاك ما لا نستطيع تحمله.

قد يقول أحدهم ، نحن نعيش اليوم حرباً وتهديداً ودماراً واقتلاعاً، فهل هذا هو الوقت المناسب لمناقشة مثل هذه الأفكار؟ ليأتي الجواب بنعم، وربما الآن أكثر من أي وقت آخر، خصوصا بعد تكرار التجارب المريرة المدمرة دون تعلم او اتعاظ . فالقوة التي لا تؤدي إلى حماية الدولة والمجتمع تحتاج إلى مراجعة. والدبلوماسية التي لا تحمي المصالح تحتاج إلى مراجعة.والتحالفات التي لا تخدم الدولة تحتاج إلى مراجعة. والحياد الذي لا يملك أدوات حماية يحتاج إلى مراجعة. والانخراط في الصراعات الذي لا يملك حساباً واضحاً للكلفة والنتائج يحتاج أيضاً إلى مراجعة.

الدولة لا تستطيع أن تعيش بلا قوة، لكنها لا تستطيع أيضاً أن تحمي نفسها بالقوة وحدها. ولا أعتقد أن درس كوستاريكا أو بنما للبنان هو أن نتخلى عن الجيش أو عن السلاح. فالدرس هو أن الدولة يجب أن تعرف حجمها، ومصالحها، ومصادر قوتها، وحدود قدرتها، وأن تجعل كل عناصر القوة تعمل لمصلحتها. فلبنان لا يحتاج إلى أن يصبح كوستاريكا، ولا بنما، ولا أي دولة أخرى .يحتاج إلى أن يصبح دولة تحمي مواطنيها، وتدير تنوعها، وتعرف كيف تتعامل مع جيرانها، وتفهم موازين القوى، وتدافع عن مصالحها، وتستخدم الدبلوماسية والقوة عندما تكونان ضروريتين، وتعرف متى تكون المواجهة دفاعاً عن الدولة ومتى تصبح الدولة نفسها ضحية لها. فالدولة لا تبدأ عندما تمتلك السلاح فقط، ولا عندما تغير دستورها فقط. بل تبدأ عندما يتفق مجتمعها على أن تكون القوة في خدمة الدولة، وأن تكون الدولة في خدمة الجماعة.

أخبار متعلقة :