أخبار عاجلة
واشنطن تؤهل الجيش وإسرائيل تستبعد ضرب بيروت -
جلسة لمجلس الوزراء الخميس -
واشنطن: أجبرنا 122 سفينة على تغيير مسارها -
أولوية الوفد اللبناني: وقف إطلاق نار شامل -
إصابة مسعفين بغارة على شحور -

الجنوب أمام منعطف تاريخي

الجنوب أمام منعطف تاريخي
الجنوب أمام منعطف تاريخي

كتبت ناديا غصوب في “نداء الوطن”:

لم يعد التصعيد الإسرائيلي في الجنوب اللبناني يُقرأ باعتباره مجرد امتداد للمواجهة العسكرية القائمة، بل بات جزءًا من معركة سياسية موازية تسعى من خلالها الأطراف المختلفة إلى تحسين شروطها قبل أي تسوية إقليمية محتملة. فالميدان الجنوبي يتحول تدريجيًا إلى ورقة ضغط في مفاوضات تتجاوز الحدود اللبنانية، فيما يبدو أن كل طرف يحاول تثبيت وقائع جديدة على الأرض.

المؤشر الأبرز يتمثّل في أن وتيرة العمليات العسكرية لم تتراجع رغم تصاعد الحديث عن اتصالات دولية ومفاوضات مباشرة تتناول مستقبل الحدود الجنوبية. وهذا يطرح سؤالا أساسيًا: هل الهدف من التصعيد دفع الأطراف نحو تسوية، أم فرض شروط مسبقة عليها؟

في هذا السياق، تكتسب التحركات الإسرائيلية في المناطق الاستراتيجية أهمية خاصة، ولا سيما في قلعة الشقيف التي تشكّل واحدة من أبرز النقاط المشرفة على الجنوب ونهر الليطاني. فاستمرار السيطرة الإسرائيلية على هذا الموقع لا يمنح تل أبيب أفضلية ميدانية في الرصد والمراقبة فحسب، بل يحمل أيضًا دلالة سياسية مرتبطة بالسعي إلى تثبيت وقائع أمنية جديدة قد يصعب تغييرها لاحقًا ضمن أي اتفاق محتمل. فالتجارب السابقة في المنطقة أظهرت أن المواقع التي تُفرض بالقوة العسكرية غالبًا ما تتحول إلى أوراق تفاوضية عند البحث في التسويات النهائية.

القراءة الأولى لما يجري تربط التصعيد بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية. فإسرائيل تدرك أن أي تفاهم بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات مباشرة على ساحات النفوذ الإقليمية، ومن بينها لبنان. لذلك، قد يكون رفع مستوى الضغط العسكري محاولة لتحسين الموقع التفاوضي قبل الوصول إلى أي تفاهم، أو لتوجيه رسالة مفادها أن الملفات الأمنية المرتبطة بـ”حزب الله” لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مقبلة. ويعزّز هذه الفرضية تزامن التصعيد الميداني مع الحديث المتكرّر عن تقدّم في الاتصالات الأميركية – الإيرانية، إضافة إلى التركيز الإسرائيلي على استهداف البنية العسكرية وممرات الإمداد أكثر من التركيز على تحقيق مكاسب ميدانية واسعة.

في المقابل، تذهب القراءة الثانية إلى أن إسرائيل تنظر إلى ما بعد الحرب باعتباره فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الجنوب اللبناني. ووفق هذا المنطق، فإن الهدف لا يقتصر على الضغط التفاوضي، بل يتعدّاه إلى فرض واقع أمني طويل الأمد يمنع العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل اندلاع المواجهة. ومن هنا، يمكن فهم الإصرار الإسرائيلي على الحديث عن إبعاد مصادر التهديد عن الحدود ومنع إعادة التموضع، وهي عناوين تتكرّر باستمرار في الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي.

المفارقة أن كلا الاحتمالين لا يلغي الآخر بالكامل. فمن الممكن أن تستفيد إسرائيل من مسار المفاوضات الإقليمية، وفي الوقت نفسه تعمل على استثمار التطورات الميدانية لفرض شروط جديدة. كما أن “حزب الله”، من جهته، لا يتعامل مع الجبهة الجنوبية باعتبارها ملفًا لبنانيًا صرفًا، بل كجزء من توازنات إقليمية أوسع، ما يجعل أي تفاهم محتمل مرتبطًا أيضًا بمسار الحرب في غزة وبطبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران خلال المرحلة المقبلة.

أما لبنان الرسمي، فيجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، هناك ضغوط دولية متزايدة للانتقال إلى ترتيبات أمنية جديدة وتعزيز دور الجيش اللبناني جنوب الليطاني، ومن جهة أخرى، هناك واقع ميداني وسياسي يجعل أي تغيير جذري في قواعد الاشتباك أمرًا بالغ الحساسية. لذلك، تبدو الدولة اللبنانية حتى الآن أقرب إلى موقع المتأثر بالتطورات أكثر من كونها طرفًا قادرًا على رسم مسارها.

وفي ظل هذه المعطيات، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو متى ستتوقف الحرب، بل ماذا سيبقى بعدها. فالمواجهة الدائرة اليوم ليست مجرد تبادل للرسائل العسكرية، بل صراع على شكل الجنوب اللبناني في مرحلة ما بعد الحرب. هل يعود إلى المعادلات التي حكمته خلال السنوات الماضية، أم يخرج بتوازنات جديدة فرضتها الوقائع الميدانية والتفاهمات الدولية؟

الإجابة لم تتضح بعد، لكن ما يمكن قوله إن الجنوب بات اليوم في قلب أي تسوية إقليمية مقبلة. وكل تطور ميداني، من الغارات اليومية إلى المواقع الاستراتيجية مثل قلعة الشقيف، لم يعد مجرد حدث عسكري عابر، بل جزء من عملية رسم خرائط النفوذ والأمن في المنطقة. ولهذا السبب تحديدًا، قد تكون الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الجبهة الجنوبية ورقة ضغط مؤقتة على طاولة المفاوضات، أم أنها بداية لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة الواقع الأمني والسياسي في جنوب لبنان لسنوات طويلة الأمد.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق جلسة لمجلس الوزراء الخميس
التالى إسرائيل تبلغ لبنان: استمرار الصواريخ ورفض “المعادلة” يعقدان التسوية