أخبار عاجلة

البقاع على خطى الجنوب والضاحية

البقاع على خطى الجنوب والضاحية
البقاع على خطى الجنوب والضاحية

كتب عيسى يحيى في “نداء الوطن”:

لم يعد البقاع بعيدًا من المشهد الذي عاشه الجنوب ثمّ الضاحية الجنوبية لبيروت. فمع اتساع رقعة الحرب التي اندلعت مجدّدًا مطلع شهر آذار، بدأت المؤشرات تتجه تباعًا نحو إدخال البقاع في قلب المواجهة، عبر سياسة الإنذارات المسبقة والإخلاءات الواسعة، تمهيدًا لضربات جوية قاسية تستهدف مواقع وبنى تحتية تابعة لـ “حزب اللّه”.

منذ اندلاع ما عُرف بـ “حرب الإسناد” عام 2024، كانت إسرائيل تتعامل مع ثلاث مناطق لبنانية بوصفها الأكثر خطورة من الناحية العسكرية: الجنوب، الضاحية الجنوبية لبيروت، والبقاع. هذه المناطق، وفق المقاربة الإسرائيلية، تشكّل العمق العسكري والبشري لـ “حزب اللّه”. وبالتالي، فإن أي مواجهة واسعة ستطولها حتمًا، سواء عبر ضربات مركزة أو عبر محاولات تفريغها من السكان.

مع تجدّد الحرب هذا العام، بدأت هذه المقاربة تظهر بشكل عملي على الأرض وخلال الساعات الماضية، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارات لسكان ثلاث بلدات في محيط بعلبك: دورس، مجدلون، وبريتال، طالبًا منهم إخلاء مناطقهم والتوجّه إلى أماكن اعتبرها أكثر أمنًا، ليُصدر إنذارًا جديدًا لسكان النبي شيت، سرعين، الخضر. لم تحتج هذه الإنذارات إلى وقت طويل حتى تتحوّل إلى حركة نزوح واسعة. ففي ساعات قليلة، بدأت العائلات بمغادرة منازلها على عجل، في مشهد لم يعتده البقاعيون بهذه الكثافة منذ سنوات.

بعض النازحين توجّه نحو مدينة زحلة، فيما قصد آخرون بلدات دير الأحمر وعرسال والقاع، وكثيرون قصدوا أقارب ورفاقًا لهم في بعض البلدات الآمنة حتى الآن، على الرغم من محدودية قدرتها الاستيعابية. ومع تزايد أعداد الوافدين سرعان ما بدت هذه المناطق شبه ممتلئة، فيما وجد كثيرون أنفسهم يغادرون منازلهم من دون أن يتمكّنوا حتى من حمل حاجاتهم الأساسية، في مشهد يعكس حجم الارتباك والخوف من الضربات المرتقبة.

ومع حلول منتصف ليل الجمعة، تحوّلت الإنذارات إلى واقع عسكري قاسٍ، حيث بدأ الطيران الحربي الإسرائيلي تنفيذ غارات عنيفة استهدفت بلدات دورس وبريتال ومجدلون، وكانت الضربات شديدة إلى درجة أن أصداء الانفجارات سُمعت في معظم بلدات البقاع، ما أعاد إلى أذهان السكان مشاهد الحرب السابقة وأشاع حالة واسعة من القلق والترقب.

ما جرى خلال الساعات الماضية لا يبدو حدثًا معزولًا بقدر ما يشير إلى مسار مرشح للتوسّع، فالكثير من المؤشرات توحي بأن رقعة الإنذارات الإسرائيلية قد تمتدّ إلى بلدات بقاعية أخرى خلال المرحلة المقبلة، في إطار استراتيجية تقوم على الضغط على البيئة الحاضنة لـ “الحزب” ومحاولة تفكيك بنيته اللوجستية والبشرية.

ويكتسب البقاع في هذا السياق أهمية خاصة، ليس فقط بسبب وجود مواقع عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بـ “حزب اللّه”، بل أيضًا لأنه يشكّل خزانًا شعبيًا أساسيًا لـ “الحزب” وثقلًا اجتماعيًا وسياسيًا له. لذلك، فإن إدخاله في دائرة الضربات يحمل أبعادًا تتجاوز البعد العسكري المباشر.

غير أن ما يقلق أبناء المنطقة اليوم لا يقتصر على الغارات نفسها، بل يتعدّاه إلى الكلفة الباهظة التي بدأت الحرب تفرضها عليهم. فالناس هنا يعيشون أصلًا تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، ومع اتساع دائرة النزوح وتوقف الأعمال والخدمات، باتت القدرة على تحمّل تبعات الحرب محدودة إلى حدّ كبير.

في البقاع اليوم شعور متزايد بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة، وأن ما بدأ بإنذارات محدودة قد يتحوّل سريعًا إلى جولة أكثر قسوة واتساعًا. وبين الخوف من الغارات المقبلة والعجز عن مواجهة أعباء النزوح، يقف السكان أمام واقع صعب، عنوانه أن البقاع يسير فعلًا على خطى الجنوب والضاحية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اجتياح بلا حدود
التالى إسرائيل تبلغ واشنطن وباريس عدم ممانعتها دعم الجيش اللبناني