كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:
في غمرة استقبال الشهر الكريم وإفطاراته السياسية، وتبعات زيادة سعر البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة، مرّ خبر قيام جهاز أمن الدولة بضبط تهرب ضريبي قديم بلا اهتمام أو ضجيج.
في المعلومات أن مكتب مرفأ بيروت في أمن الدولة فتح تحقيقًا في قضية تهرّب من تسديد رسوم مرفئية متراكمة منذ العام 2010، تقدر بنحو نصف مليون دولار، بناء على معلومات توفرت لديه.
خلال التحقيق مع مالك إحدى الوكالات البحرية، تبين أنه تهرب من تسديد الرسوم المتوجبة على شركتيه في ميناءي طرابلس وبيروت. نتيجة لذلك، جرى التوسع في التحقيق، واستُمع إلى إفادة موظف ضمن الدائرة المالية في مرفأ طرابلس، ليتبين وجود عدد من الشركات الممتنعة عن الدفع، حيث زودهم الموظف إياه بلائحة تضم نحو 18 شركة لم تدفع الرسوم منذ العام 2010. وحينما تمت مساءلة هذه الشركات عن سبب عدم التسديد، كان ردها بأن أحدًا لم يطالبها بالدفع!
وبالتالي كشفت التحقيقات عن وجود تقصير إداري فاضح. ليصار إلى بدء إلزام الشركات المتخلفة بتسديد ما عليها من مبالغ. غالبيتها سارعت إلى جدولة الدفعات، لتبقى شركتان، واحدة لديها نزاع قضائي مع إدارة مرفأ طرابلس، حيث ينتظر أن يبت القضاء بما يتوجب عليها، وأخرى تعهدت ببيع قطعة أرض تملكها لتسديد المتوجبات. ويبلغ إجمالي المبالغ ما بين المدفوع وقيد التحصيل قرابة نصف مليون دولار.
أهمية ما قام به جهاز أمن الدولة تتجاوز قيمة المبالغ المستردة وقيد الاسترداد في الكشف عن التقصير الإداري المتراكم. والأهم تحريك المياه الراكدة في مسألة الرقابة الإدارية داخل مؤسسات الدولة والموانئ والمصالح المستقلة. ثمة مناخ مفرط من انعدام المساءلة في حقوق الدولة مترسخ في بنية المؤسسات الرسمية، زاد وطأة مع انفجار الأزمة المالية والاقتصادية في البلاد، وما نجم عنها من علاقة ملتبسة ومتوترة بين القطاع العام والدولة على وقع الانهيار المريع في قيمة الرواتب.
ويأتي انكشاف هذه المسألة بالتزامن مع الزيادة على البنزين كمناسبة للإضاءة على مدى أهمية ملاحقة التهرب الضريبي والجمركي في تعزيز موارد الخزينة في لحظة تشتد فيها الضغوط عليها، لكونها تعد واحدة من الآفات التي تحدثت عنها تقارير صندوق النقد الدولي، وقدرت في تقرير لعام 2023 بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنويًا، فيما تبلغ قيمة الموازنة العامة اللبنانية لعام 2026 نحو 5.6 مليارات دولار.
وهنا بالضبط يكمن المعنى السياسي لما قام به أمن الدولة. غداة انتخابه سعى رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الدفع بقطار مشروع الدولة قدمًا، من خلال مجموعة سياسات ترتكز على إعادة الانتظام للمؤسسات، ولا سيما القضائية، وترتيب أوراق المؤسسات الأمنية وربطها بمظلة بعبدا للدعم والتنسيق ورفع مستوى الأداء. بالإضافة إلى تفعيل الأطر الرقابية ولو بحدودها الدنيا، حيث حرص على إجراء جولات على العديد منها، بغية إشعار الموظفين والمواطنين بمقدار معقول من جدية الرقابة.
ما كشفته تحقيقات أمن الدولة في التهرب الضريبي يعد من ثمار هذه السياسات، ويندرج ضمن عملية إصلاح العلاقة الملتبسة مع المجتمع، وتغيير الانطباعات المترسخة في الذاكرة الجمعية عن الجهاز، من إرثه الكارثي في التعذيب، إلى تحوله مخزنًا للحراسات الخاصة للشخصيات السياسية وعوائلهم خلال تسوقهم.
هي خطوة فقط من جملة خطوات صغيرة ضمن مسار طويل تقطعه الإدارة الجديدة لأمن الدولة لإعادة الجهاز إلى وظيفته الأصلية كضابطة عدلية. بدءًا من تحقيقات الجامعة اللبنانية وصولًا إلى التهرب الضريبي.
لا ريب أن المسار لا يزال طويلًا، لكن خطوات تؤسس لمسار موثوق ومعقول وإن كان بطيئًا.




