أخبار عاجلة
برلمان البيرو يعزل الرئيس بالوكالة خوسيه جيري -
سجناء لبنان يعلّقون إضرابهم -
موظفو الإدارة العامة يُعلنون الإضراب -
إيران تستدعي سفير ألمانيا… والسبب؟ -
بري: لا تمديد للمجلس النيابي -

“اليونيفيل”… 48 عامًا من إدارة الوهم

“اليونيفيل”… 48 عامًا من إدارة الوهم
“اليونيفيل”… 48 عامًا من إدارة الوهم

كتبت د. جوسلين البستاني في نداء الوطن:

مع اقتراب انتهاء ولاية قوّة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) في كانون الأوّل 2026، برز خطاب سياسي داخلي يُحذّر من احتمال حدوث “فراغ أمني” في الجنوب، قد يفضي إلى عدم استقرار وعودة إلى الصراع المفتوح. غير أنّ هذا القلق يبدو مفارقة لافتة، خصوصًا إذا تذكّرنا أنّ “اليونيفيل” موجودة في الجنوب منذ ثمانية وأربعين عامًا، لم تُحقق خلالها أهدافها الأساسية، وفي مقدّمها استعادة سيادة الدولة، ومنع تسلّح الجهات الفاعلة غير الحكومية. ومع ذلك، يُنظر إلى احتمال رحيلها على أنه خطر وطنيّ.

في الواقع، يكشف هذا التناقض عن الوظيفة الأكثر ديمومة لـ”اليونيفيل”، وهي إدارة المظاهر. إذ منذ نشأتها عام 1978 عقب إطلاق إسرائيل “عملية الليطاني” في جنوب لبنان بهدف تدمير قواعد منظمة التحرير الفلسطينية، كانت “اليونيفيل” محكومة بقيود تجعل نجاحها محدودًا. فقد شملت ولايتها التأكّد من الانسحاب الإسرائيلي ودعم الدولة اللبنانية في إعادة فرض سلطتها، لكن عمليًا اقتصر دورها على المراقبة، والإبلاغ. ومنذ ذلك الحين، شهد الجنوب أربع حروب كبرى (1982، 1996، 2006، 2023–2024) من دون أن تتمكّن القوّة الدوليّة من منع أيّ منها.

من الناحية الهيكلية، لم تكُن “اليونيفيل” أبدًا بعثة لفرض السلام، بل أُنشئت كقوّة مراقبة قائمة على “التوافق”، تفتقر إلى السلطة القسرية والاستقلالية التشغيلية. وبعبارة أخرى، كُلّفت بتحقيق نتائج أمنية من دون أن تُمنح الأدوات اللازمة لفرضها.

بعد حرب عام 2006، وسّع مجلس الأمن الدولي دورها عبر القرار 1701، وكلّفها بالمساهمة في ضمان خلوّ المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني من أيّ وجود مُسلّح خارج إطار الدولة. وعلى الرغم من كونه الهدف المعلن للقرار 1701، فإن “حزب اللّه” كان، على المدى الطويل، من أبرز المستفيدين من وجود “اليونيفيل”، إذ أتاح له الادّعاء بـ”ألّا حاجة لسيطرة الدولة على الجنوب ما دام المجتمع الدولي موجودًا هناك”.

في الواقع، ساهم انتشار “اليونيفيل” في تكوين منطقة فاصلة جعلت أيّ تدخل عسكريّ من جانب إسرائيل أكثر كلفة دبلوماسيًّا، في حين أصبحت أنشطة “حزب اللّه” أكثر سرّية، وأكثر اندماجًا في البنى المدنية. وخلال الفترة الممتدّة بين عامي 2006 و 2023، أعاد “حزب اللّه” بناء ترسانته إلى مستويات غير مسبوقة، وطوّر شبكة أنفاق عبر الحدود، وعزز قدراته الصاروخية الدقيقة، وعسكر قرى كاملة. ومع ذلك، لم تقُم “اليونيفيل” بفرض أيّ تكلفة على التوسّع العسكري لـ “حزب اللّه”، فقط ساهمت في عزل قواته عن الاحتكاك المباشر مع الجيش الإسرائيلي.

أمّا من الناحية الرّسميّة، فقد وُجدت “اليونيفيل” لمساعدة الدولة اللبنانية، لكن عمليًا حلّت محلّ السيادة بدلًا من استعادتها. فبتفويضها وظيفة الدولة الأساسيّة، أي احتكار استخدام القوّة، إلى بعثة دولية عاجزة عن فرض القانون، مهّدت الدولة فعليًا لمأسسة ضعفها. كما ساهم وجود “اليونيفيل” في تقليص الحاجة المُلحّة إلى إعادة هيكلة القطاع الأمني وفرض السيطرة الفعلية على الأراضي.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال أساسيّ: هل ينبغي حاليًّا مقاربة المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح “حزب اللّه” جنوب نهر الليطاني ضمن هذا النمط التاريخي نفسه؟ أي تكرار لسيطرة خفية تحلّ محل السيطرة الظاهرة. وفي ضوء ذلك، تُشير تقارير عسكرية أميركية، استنادًا إلى تقديرات استخباراتية، إلى أن “حزب اللّه” ما زال يحتفظ بقدرات عسكرية في الجنوب، ويعمل على إعادة بناء بنيته القتالية. الأمر الذي يُفسّر استمرار الضربات التي تنفذها إسرائيل في المنطقة.

هذا ليس بجديد. فبعد عام 2006، “انسحب” “حزب اللّه” من الجنوب أيضًا، لا عبر المغادرة، بل عبر الانتقال إلى العمل تحت الأرض. واندمجت البنية التحتية العسكرية في البيئات المدنية، فتعاملت “اليونيفيل” مع غياب الظهور العلني، وفق منطقها العملياتي؛ فهي تصادق على ما يمكنها ملاحظته، لا على ما يتعذّر التحقّق منه. وطالما بقيت الأسلحة مخبّأة، واستمرّ المسلّحون في العيش ضمن أنماط حياة مدنية، تعلن البعثة استقرار الوضع.

قد يؤدّي انتهاء المهمة إلى تآكل هامش الإنكار الدولي، إذ أتاح وجود القوّة الدولية لعدد من الأطراف الدولية وخاصة الأوروبية الادّعاء بالانخراط والمسؤولية. من هنا، فإن الخوف ليس من الفراغ، بل من الوضوح. فـ”اليونيفيل” لم تمنع الحرب، ولم تفرض نزع السلاح، ما حقّقته كان مجرّد تجميد للصراع، وتطبيع للسلطة الموازية.

بناءً عليه، لم تفشل “اليونيفيل” لأنها كانت غير فعّالة، بل لأنها صُمّمت هيكليًا لإدارة المظاهر بدلًا من تفكيك منظومة السلاح غير الشرعي. فمُهمتها كانت إثبات ما لم يعد مرئيًا، لا ما بقي على حاله. لذلك أتقن “حزب اللّه” “إنكار التسلّح” وتعلّم كيف يكون غير مرئيّ.

في المحصّلة، ساهمت “اليونيفيل”، دون قصد، في تدريب “حزب اللّه” على كيفية الوجود من دون أن يكون مرئيًا. ولهذا السبب، وبعد ثمانية وأربعين عامًا، يظلّ إرثها الأكثر واقعية هو إدارة الوهم.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ستريدا جعجع: نسأل الله أن يحمل هذا الشهر المبارك السلام
التالى بري: لا تمديد للمجلس النيابي