موقع دعم الإخباري

من غزة إلى أوكرانيا وإيران.. من هي الدول التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في الحروب؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتطوير الصناعات أو تسريع التحول الرقمي، بل أصبح جزءاً متزايد الأهمية من الحسابات العسكرية للدول، من تحليل المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف، إلى مراقبة ساحات القتال وتنسيق الأنظمة غير المأهولة ودعم القرارات العملياتية.

ومع اتساع استخدام هذه التقنيات في النزاعات المسلحة، تبرز الولايات المتحدة والصين وإسرائيل وروسيا وأوكرانيا ضمن أبرز الدول التي تطور قدرات الذكاء الاصطناعي العسكرية أو تستخدمها ميدانياً، فيما تعمل دول أخرى، بينها المملكة المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية، على دمجها في خطط تحديث قواتها المسلحة. وتشير أبحاث متخصصة إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري يتوسع، لكن المعلومات المتاحة لا تكشف دائماً حجم الاعتماد الفعلي عليه أو مدى تأثيره المباشر في نتائج المعارك.

Advertisement


الولايات المتحدة.. الذكاء الاصطناعي في قلب العمليات العسكرية
تعد الولايات المتحدة من أبرز الدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي العسكري، مستفيدة من تعاون وزارة الحرب مع شركات التكنولوجيا لتطوير أنظمة تساعد على تحليل البيانات، ودمج المعلومات الاستخباراتية، وتسريع التخطيط واتخاذ القرار.

وخلال الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران التي بدأت في 28 شباط 2026، برز نظام Maven Smart System، المرتبط بشركة «بالانتير»، في التقارير المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي لدعم العمليات العسكرية. وأشار تحليل نشره «Bulletin of the Atomic Scientists» في حزيران إلى أن الجيش الأميركي استخدم النظام في سياق حملة واسعة من الضربات، مع بقاء مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي في اختيار كل هدف على حدة غير واضح. 

وتكمن أهمية هذه الأنظمة في قدرتها على معالجة كميات كبيرة من المعلومات وتقديم توصيات للمخططين العسكريين في وقت أقصر، لكنها لا تعني بالضرورة أن النظام يتخذ القرار النهائي بشأن استخدام القوة بصورة مستقلة؛ إذ يتوقف ذلك على تصميم النظام وطريقة تشغيله والضوابط البشرية المحيطة به.

إسرائيل.. أنظمة لتحليل المعلومات وتحديد الأهداف

برز استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً خلال الحرب في غزة، حيث تناولت تقارير وتحقيقات صحافية استخدام أنظمة رقمية تساعد على تحليل المعلومات وتحديد أهداف محتملة وترتيب أولوياتها.

ومن أبرز الأنظمة التي أثارت نقاشاً واسعاً نظاما «لافندر» (Lavender) و«غوسبل» (The Gospel). وقد أفادت تقارير صحافية بأنهما استُخدما في تحليل البيانات وتوليد توصيات تتعلق بأهداف بشرية أو مادية، كما وثقت منظمات حقوقية مخاطر استخدام الأدوات الرقمية المعتمدة على بيانات غير دقيقة أو تقديرات آلية في سياقات عسكرية، ولا سيما عندما تؤثر نتائجها في قرارات تمس حياة المدنيين.
وتكمن الإشكالية الأساسية في مدى اعتماد القوات المسلحة على توصيات هذه الأنظمة، وكيفية مراجعتها، وما إذا كان العنصر البشري يملك الوقت والمعلومات الكافيين للتحقق من النتائج قبل اتخاذ القرار.

روسيا وأوكرانيا.. الذكاء الاصطناعي يتقدم في حرب المسيّرات

تحولت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ساحة بارزة لتطوير تقنيات تجمع بين الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي. ففي ظل التشويش الإلكتروني وتعطل الاتصالات في بعض مناطق القتال، تتزايد أهمية الأنظمة القادرة على تحليل الصور والتعرف على الأجسام والمساعدة في الملاحة والعمل في بيئات يصعب فيها الاعتماد على الاتصال المستمر.

وتعمل أوكرانيا على توسيع استخدام الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يشمل تحسين التعرف على الأهداف وتطوير قدرات الطائرات المسيّرة ودعم التنسيق بين الوحدات. ووفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، دفعت ظروف الحرب أوكرانيا إلى تسريع شراء وتطوير هذه التقنيات لتعويض بعض النقص في القدرات العسكرية التقليدية. 

أما روسيا، فتعمل على تطوير أنظمة غير مأهولة وتقنيات للتعرف على الأهداف وتوجيه الأسلحة، إلى جانب استخدام وسائل الحرب الإلكترونية. ويشير الباحثون إلى أن طرفي الحرب يسعيان إلى دمج الذكاء الاصطناعي في الاستهداف والعمليات الميدانية، وإن كانت التفاصيل المتعلقة بقدرات كل نظام ودرجة استقلاليته لا تكون متاحة دائماً بصورة مستقلة وقابلة للتحقق. 

ولا يقتصر أثر هذه التقنيات على زيادة سرعة العمليات؛ فهي تثير أيضاً تساؤلات حول موثوقية التعرف الآلي على الأهداف، وقدرة الأنظمة على التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، ومدى استمرار الرقابة البشرية في ظروف القتال السريع.

الصين.. سباق على التفوق العسكري والتكنولوجي
تعتبر الصين الذكاء الاصطناعي أحد محاور تحديث قواتها المسلحة، وتسعى إلى دمجه في أنظمة القيادة والسيطرة، وتحليل المعلومات، والأنظمة غير المأهولة، والمحاكاة والتخطيط العسكري.
ويشير تقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن بكين وضعت منذ سنوات هدفاً لتسريع ما تصفه بـ«التحول نحو القوات المسلحة الذكية»، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والتقنيات المتقدمة في العمليات العسكرية المشتركة. كما تتواصل المنافسة الأميركية الصينية على تطوير قدرات يمكن أن تؤثر في ميزان القوى مستقبلاً. 

لكن ينبغي التمييز بين امتلاك برامج بحث وتطوير متقدمة وبين إثبات استخدامها ميدانياً في حرب فعلية. فالمعلومات العلنية عن بعض القدرات الصينية تبقى محدودة، ولا تسمح دائماً بتحديد مدى انتشارها أو مستوى استقلالية الأنظمة المستخدمة.

دول أخرى تدخل السباق
لا يقتصر التوجه على القوى الكبرى. فهناك دول تعمل على تطوير أنظمة عسكرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أو دمجها في قدراتها الدفاعية:

المملكة المتحدة: تعمل على تحديث قدراتها العسكرية باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك التدريب وتحليل البيانات والقيادة والسيطرة.

فرنسا: تدمج الذكاء الاصطناعي ضمن خطط تطوير قدراتها الدفاعية، مع التركيز على الاستخدامات العملياتية وضوابط الاستخدام المسؤول.

كوريا الجنوبية: تطور قدرات تعتمد على الذكاء الاصطناعي في المراقبة والدفاع والأنظمة غير المأهولة.

أذربيجان: أظهرت حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 أهمية الذخائر المتسكعة والأنظمة غير المأهولة المدعومة بتقنيات متقدمة، ضمن العمليات التي استهدفت الدفاعات العسكرية الأرمينية.
هولندا: تدعم إدخال برمجيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة المستخدمة في أوكرانيا. وفي تشرين الأول 2026، أفادت رويترز بأن شركة هولندية طورت نظاماً يساعد على تنسيق الرادارات والمستشعرات والتعرف على الصور للتصدي للطائرات المسيّرة، ضمن مشروع مرتبط بدعم الدفاعات الأوكرانية.
 
من الولايات المتحدة والصين إلى إسرائيل وروسيا وأوكرانيا، أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من التحول الذي تشهده الحروب الحديثة. وتتنافس دول أخرى على تطوير قدرات مماثلة، من أنظمة الدفاع الجوي إلى الطائرات المسيّرة وتحليل المعلومات الاستخباراتية؛ لكن الفارق بين الدول لا يتعلق فقط بامتلاك التكنولوجيا، بل بمدى دمجها في العمليات العسكرية، وموثوقية الأنظمة، وقدرة البشر على مراقبتها، وحجم المعلومات المتاحة عن استخدامها الفعلي.

وفي ظل هذا التحول، لا يقتصر السؤال على أي دولة تمتلك الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً، بل على كيفية استخدامه، ومن يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الأنظمة، وما الضمانات التي تمنع تحول السرعة التكنولوجية إلى خطر إضافي على المدنيين. ففي الحروب المقبلة، قد لا يكون التحدي في قدرة الآلة على تحليل المعلومات بسرعة فحسب، بل في ضمان ألا تحل سرعة القرار محل دقته، وألا تصبح المسؤولية البشرية أقل وضوحاً كلما ازدادت الأنظمة ذكاءً.

أخبار متعلقة :